(*) تأتي هذه التطورات في لحظة شديدة الحساسية، إذ يتقاطع اقتراب موعد تسليم سلاح الفصائل مع انتهاء مهام القوات الأميركية وتزايد الضغط السياسي على القوى المسلحة غير المنضبطة. ونتيجة هذا التداخل، لم يعد المشهد الأمني يتصاعد وفق منحنى تدريجي يمكن احتواؤه، بل بات يشهد طفرات مفاجئة في مستوى التوتر، تتسم بالسرعة والارتجال وغياب الانضباط، ما يعكس انتقال بعض الفاعلين من مرحلة الرسائل المحدودة إلى مرحلة الفعل المباشر غير المحسوب.
(*) من خلال هذا التوقيت شديد الحساسية بان أي حادث أمني الآن يُقرأ ضمن سياق “معركة ما بعد الانسحاب الأميركي”، وليس كحادث منفصل . لان الاستهداف انتقل من البنى الحكومية ومعسكرات الجيش إلى الرموز السيادية لان محاولة اغتيال رئيس القضاء ليست مجرد رسالة سياسية، بل إنها تقرأ كضربة موجعة لاستهداف قلب الشرعية القانونية للدولة وللحكومة ؟.
وعلى الرغم من اختلاف السياقات ، فإن ما يجري في العراق يثير مخاوف جدية من أن استمرار السلاح المنفلت خارج سلطة الدولة قد يقود البلاد إلى مسار بالغ الخطورة ، ما لم تتخذ الحكومة الاتحادية إجراءات حاسمة قبل موعد الثلاثين من أيلول ، الموعد المقرر لإنهاء ملف السلاح غير المنضبط ؟ وفي ظل هذه التطورات، يبرز سؤال ملحّ حول قدرة رئيس الوزراء لى فرض قرارات ملزمة تضع جميع الفصائل تحت سقف القانون ، وتمنع انزلاق البلاد نحو سيناريوهات لا يرغب بها أي عراقي ؟ وفي وقت تكشف فيه الوقائع الميدانية عن مؤشرات تصعيد تتجاوز حدود التوتر التقليدي بين الدولة والقوى المسلحة غير المنضبطة.
ففي الساعات الماضية، أعلنت قوة أمنية تابعة لجهاز مكافحة الإرهاب إنها اعتقلت القيادي بحركة النجباء الحاج “عباس حسين مطر” اليعقوبي مسؤول الاستطلاع في “النجباء” ومسؤول استخبارات عمليات حزام بغداد وبحسب التسريبات ، فإن المعتقل “اليعقوبي” يُعد أحد أبرز المتورطين في التخطيط لمحاولة اغتيال رئيس مجلس القضاء الأعلى،”فائق زيدان”، وهي محاولة أثارت قلقًا واسعًا داخل المؤسسات الرسمية لما تمثله من استهداف مباشر لرمز قضائي يُفترض أنه محصّن من الصراع السياسي. وكذلك تهديدات قيادي حركة النجباء ودخول مقاتليهم في حالة إنذار وبمقابل رد فعل كذلك ودخول جهاز مكافحة الإرهاب في حالة إندار مماثلة ؟ ومع التطور الأخطر الآخر الذي جاء كذلك فجر هذا اليوم الاثنين 17 آب 2026 ، حين تعرض مكتب رئيس وزراء إقليم كردستان (1) ومقر إقامة رئيس وكالة الأمن لهجمات وصفت بأنها “تصعيد خطير”.
اليوم تبدو لنا “واشنطن” وكأنها تعيد ترتيب أولوياتها في التعامل مع حكومة بغداد، إذ تشير بعض التسريبات والتي تحدد بدورها وحسب المعطيات الأخيرة إلى أن :” ملف السلاح المنفلت لدى الفصائل الولائية بات يتقدم على ملفات سياسية داخلية ما تزال معلّقة، مثل استكمال الوزارات الشاغرة والدرجات الوظيفية الخاصة ” وهذا التحول في المعادلة وحسب القراءة الأولية :” يعكس قناعة أميركية بأن استقرار العراق في المرحلة المقبلة لن يتحقق عبر استكمال البنية الحكومية فحسب، بل عبر معالجة جذور الاختلال الأمني المرتبط بوجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة ” وبذلك، يصبح حسم هذا الملف شرطًا مسبقًا لأي تقدم سياسي أو إداري، وليس نتيجة لاحقة له، وهو ما يضع الحكومة الاتحادية أمام اختبار حساس في الأسابيع القليلة المقبلة”.
حاليآ ومع التهديدات المتبادلة بين الفصائل الولائية وحكومة بغداد , يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، أبرزها أن البلاد تتجه نحو اختبار جديد لمدى قدرة الدولة على فرض القانون في مواجهة قوى تمتلك السلاح والقدرة على التأثير في الأمن الداخلي . الساعات والأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الأحداث مجرد سلسلة معزولة ، أم مقدمة لمرحلة أكثر تعقيدًا في الصراع على شكل الدولة ومستقبلها السياسي والأمني والاقتصادي.

![]()
