بغداد – في مشهد يتكرر كل عام، تتحول الموازنة العامة من وثيقة مالية مفترض بها خدمة المواطن، إلى أداة ابتزاز سياسي واستثمار انتخابي رخيص، حيث تتعطل جداول الصرف وتتكدس المشاريع في رفوف الانتظار، فيما يُترك المواطن يلاحق فتات الوعود و”أرغفة الخبز المؤجل”، بينما تتغذى السلطة على الصراع.
فعلى الرغم من مرور أكثر من نصف العام، لا تزال جداول موازنة 2025 حبيسة الأدراج، وسط تجاهل واضح من الحكومة وصمت تشريعي مخجل، يعكس هشاشة التنسيق وانعدام الشعور بالمسؤولية لدى من يُفترض أنهم ممثلو الشعب.
النائب عن الإطار التنسيقي، علي الفتلاوي، كشف أن تمرير جداول الموازنة بات مستبعدًا بسبب ما أسماه “الحراك الانتخابي المحموم”، الذي يحوّل البرلمان إلى منصة دعاية بدلًا من منصة تشريع. ولفت إلى أن انشغال القوى السياسية بمعركة المقاعد الانتخابية يعطل مخصصات البنى التحتية والنفقات التشغيلية، ويعمّق أزمات الوزارات والمحافظات، مشيرًا إلى غياب أي تنسيق حقيقي بين الحكومة والبرلمان.
وفي السياق ذاته، أكد عضو اللجنة المالية النيابية، فيصل حسان سكر، أن الحكومة تواصل تجاهل المطالبات الرسمية بإرسال الجداول، رغم أن العام المالي أوشك على الانتهاء. وقال: “الحكومة لم ترد حتى الآن على مخاطبات البرلمان، ولا يوجد أي مبرر منطقي لهذا التأخير، ما يكشف عن تهاون مقصود أو تخبط إداري فاضح”.
ورغم إقرار موازنة ثلاثية كان الهدف منها تجنّب هذه الأزمات المتكررة، عادت الفوضى مجددًا بسبب عدم إرسال الجداول التفصيلية، ما يعمّق حالة الانسداد المالي ويعطّل آلاف المشاريع الحيوية في البلاد.
إن ما يجري لا يُعد فقط إخفاقًا في الأداء، بل هو فساد سياسي ممنهج، يجعل من الموازنة رهينة لحسابات انتخابية ضيقة، ويحوّل حقوق العراقيين إلى أوراق مساومة بين أروقة السلطة. في الوقت الذي يعيش فيه المواطن على حافة الحاجة، تُستهلك أوقاته في الانتظار، وتُبدد أمواله في سوق المزايدات السياسية.
هكذا تمضي الموازنة في قافلة مُنهكة، لا تعيقها الرمال، بل يثقلها تعمّد التعطيل، وتُعرقلها شهية السياسيين المفتوحة على التسويف، فيما يُترك العراقي يحدّق في موائد خاوية، ويُطلب منه أن يصبر أكثر، على وطن يُدار كأنه شركة خاصة، يُؤجَّل فيه الخبز، وتُقدَّم فيه السلطة على طبق من فساد .
![]()
