بغداد – في واحدة من أكثر المشاهد دلالة على انحدار العملية السياسية في العراق، كشفت تسريبات صوتية عن قيام مالكة مركز تجميل بعرض خدمات تجميلية مجانية لزبوناتها مقابل التصويت لجهة سياسية مجهولة في الانتخابات المقبلة، ما يعكس عمق التلاعب الذي تمارسه الطبقة السياسية ومؤسسات مرتبطة بها على حساب نزاهة الاقتراع وحقوق المواطنين.
التسجيل المسرّب يُظهر بشكل لا لبس فيه أن صفقات “الجمال مقابل الصوت الانتخابي” لم تعد سرًّا، بل باتت تُدار في العلن، ما يثبت أن ماكينة الفساد امتدت من مراكز القرار إلى أصغر المرافق الخاصة، في مشهد يؤكد تحالف السلطة والمال في تخريب أبسط قواعد الديمقراطية.
المثير للصدمة أن هذه الفضيحة ليست استثناء، بل جزء من نمط متصاعد تشهده البلاد كلما اقتربت الانتخابات. المؤسسات الحكومية التي يُفترض أن تكون حامية للعملية الديمقراطية، تقف موقف المتفرج، بل ربما المتواطئ، حيث لم يصدر أي تعليق رسمي من الجهات الرقابية، وعلى رأسها مفوضية الانتخابات وهيئة النزاهة، رغم أن التسجيل يتضمن عرضًا علنيًا لرشوة انتخابية مفضوحة.
“دولة تُدار بمنطق السوق السوداء”
ما يجري يعكس واقعًا مريرًا تتحول فيه المؤسسات، سواء كانت خاصة أو عامة، إلى أدوات بيد مرشحين مدعومين من أحزاب نافذة، تُستخدم فيها الخدمات والوظائف والامتيازات لشراء الولاءات وتزوير الإرادة الشعبية، في وقت يُفترض فيه أن تُدار الدولة بروح القانون لا بالصفقات.
ووفقًا لمصادر محلية، فإن ما كشفه هذا التسجيل ليس سوى جزء من سلسلة ممارسات مشبوهة، تشمل توزيع بطاقات شحن، ووعودًا بوظائف ومساعدات اجتماعية مقابل ضمان الأصوات الانتخابية، وكل ذلك بعلم جهات نافذة تدّعي علنًا محاربة الفساد، بينما ترعاه من خلف الستار.
السكوت الحكومي: تواطؤ أم عجز؟
في ظل هذه الفضيحة، يبرز غياب تام لأي موقف من الجهات الحكومية المعنية. لا تحرّك من المفوضية، ولا استدعاء من النزاهة، ولا حتى بيان من وزارة الداخلية. الأمر الذي يطرح سؤالًا واضحًا: هل أصبح التلاعب بالانتخابات سياسة ممنهجة تُدار من داخل الدولة؟
دعوات للتحقيق والمحاسبة
ما كشفته هذه التسجيلات يستدعي فتح تحقيق عاجل وشامل، لا يكتفي بملاحقة “صاحبة مركز التجميل”، بل يطال كل الجهات التي موّلت وسهّلت هذا النوع من الابتزاز الانتخابي. كما يجب تفعيل أدوات الردع الحقيقي، وليس الاكتفاء بإطلاق الشعارات الجوفاء حول “نزاهة الانتخابات”.
الانتخابات تحوّلت إلى مزاد سياسي مفتوح
بات من الواضح أن الانتخابات العراقية لم تعد ميدانًا للتنافس على البرامج والخطط، بل تحولت إلى مزاد سياسي مفتوح يُباع فيه صوت المواطن مقابل خدمات مؤقتة أو وعود كاذبة، فيما تتفرّج السلطات وتغرق الطبقة السياسية في فسادها العلني دون خوف أو رادع.
عندما يُستخدم مركز تجميل منصة لشراء الأصوات، فهذا يعني أن بنية الدولة قد تآكلت من الداخل. وحين يصمت القضاء والحكومة عن مثل هذه الانتهاكات، فإن الفساد لم يعد سلوكًا فرديًا، بل سياسة ممنهجة تحظى بالحماية وتُنظم تحت سقف الدولة نفسها .
![]()
