يشهد العراق اليوم توسعًا عمرانيًا سريعًا يتمثل بالانتقال المتسارع من البناء الأفقي إلى البناء العمودي دون أن تواكبه رؤية استراتيجية واضحة تحكم هذا النمو وتضمن سلامته. فبين أبراجٍ تتصاعد كالحشائش بدون تخطيط ورقيب تغيب المعايير العالمية والرؤيا العلمية التي تحفظ للمدينة توازنها البيئي والإنساني وتضمن للساكنين فيها الأمان والسلامة. إن التحول نحو البناء العمودي لا ينبغي أن يكون مجرد سباق نحو الأعلى بل يجب أن يستند إلى تخطيط فني و علمي يأخذ بنظر الاعتبار طبيعة الأرض ومتطلبات الإضاءة والتهوية والمسافات الفاصلة بين الأبنية والمساحات الخضراء التي تمثل الرئة الحقيقية للمدن. أين أنظمة الإطفاء والسلالم ومخارج الطوارئ؟ هل خضعت هذه الأبراج لفحوصات هندسية دقيقة على أساسات تتحمل الهزات الأرضية حتى لو كانت طفيفة؟ وهل البنية التحتية من كهرباء وماء ومجاري وطرق مهيأة لاستيعاب هذا الكم الهائل من الضغط السكاني؟ بل أكثر من ذلك هل لدينا الدفاع المدني والتجهيزات المتخصصة لمواجهة طوارئ في الطوابق 30 أو 40 أو حتى 100؟ أين عربات الإطفاء ذات الارتفاع العالي؟ أين طائرات الإنقاذ والإسعاف؟ أين منظومة الطوارئ المتكاملة التي يجب أن تحيط بهكذا مشاريع؟ لا يكفي أن نبني بل يجب أن نؤمّن ونخطط وأن نستبق الكوارث بدل أن ننتظر وقوعها. فالإعمار الحقيقي لا يُقاس بعدد الأبراج بل بضمانات الأمان وجودة الحياة داخلها.
![]()
