
د. أيهم السامرائي
المجلس الوطني العراقي للتغير/ الحراك العراقي
في السياسة، لا تُقاس الزيارات الرسمية بعدد اللقاءات التي تعقد، وإنما بالرسائل التي تحملها، والتوقيت الذي تأتي فيه، والنتائج التي تحققها. ومن هذا المنطلق، أرى أن زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى إيران عقب عودته مباشرة من الولايات المتحدة كانت قرارًا سياسيًا يحتاج إلى مراجعة، سواء من حيث التوقيت أو من حيث الرسائل التي يمكن أن تُفهم منها داخليًا وخارجيًا. لقد بدا وكأن الفريق السياسي المحيط برئيس الوزراء لم يُحسن تقدير المشهد الإقليمي والدولي، ولم يقرأ بدقة طبيعة التوازنات الحالية. فالسياسة لا تُدار بردود الأفعال، بل بالحسابات الدقيقة التي تراعي مصالح الدولة العراقية أولًا، بعيدًا عن أي انطباعات قد تثير الشكوك بشأن توجهاتها. ومن المعروف في الأعراف الدبلوماسية أن الرسائل بين الدول، خصوصًا في القضايا الحساسة، تكون أكثر فاعلية عندما تُوثق عبر القنوات الرسمية المكتوبة، لأنها تمنع سوء الفهم أو اختلاف الروايات. أما الرسائل الشفوية فتظل عرضة للتأويل والإنكار وإعادة التفسير وفقًا للمصالح السياسية لكل طرف، وهو ما قد يضع الدولة التي تقوم بدور الوسيط في موقف محرج إذا ظهرت لاحقًا روايات متناقضة حول مضمون تلك الرسائل. ومن هذا المنطلق، فإن أي مسؤول عراقي ينبغي أن يتجنب الظهور بمظهر ناقل الرسائل بين القوى الدولية المتنافسة، لأن العراق ليس بحاجة إلى تحمل تبعات صراعات الآخرين، بل إلى ترسيخ سياسة خارجية مستقلة تنطلق من مصالحه الوطنية.
يمر العراق بمرحلة دقيقة تفرض عليه إعادة تعريف أولوياته الوطنية. فالتحدي الحقيقي أمام أي حكومة ليس تحقيق التوازن بين القوى الخارجية فقط، وإنما بناء دولة قوية تمتلك قرارها السيادي وتفرض القانون على الجميع دون استثناء. إن المواطن العراقي ينتظر منذ سنوات خطوات عملية تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز هيبة المؤسسات الأمنية، وإصلاح الأجهزة العسكرية وفق معايير الكفاءة والخبرة والمهنية بعيدًا عن الانتماءات الحزبية أو الطائفية أو المناطقية. كما ينتظر إصلاحًا حقيقيًا لمنظومة القضاء، ومحاربة الفساد بصورة جادة، وإنهاء نظام المحاصصة الذي أضعف مؤسسات الدولة وأفقدها قدرتها على أداء وظائفها بكفاءة. إذا كانت الحكومة جادة في مشروع الإصلاح، فإن ذلك يجب أن ينعكس على طبيعة التعيينات في المؤسسات الأمنية والعسكرية والإدارية. فالإصلاح لا يتحقق بمجرد تغيير الأشخاص، وإنما بتغيير المعايير التي يتم على أساسها اختيار القيادات. أما إذا اقتصر التغيير على استبدال شخصية بأخرى تنتمي إلى المنظومة ذاتها أو إلى البيئة السياسية نفسها، فإن النتيجة ستكون إعادة إنتاج الواقع نفسه، وهو ما يجسد المثل العربي: “كالمستجير من الرمضاء بالنار”. ولهذا فإن أي عملية إصلاح حقيقية ينبغي أن تعتمد على معايير واضحة، أهمها: الكفاءة المهنية، النزاهة، الاستقلال عن الولاءات الحزبية، احترام القانون، الولاء للدولة العراقية وحدها. الثقة بين الدولة والمواطن تُبنى على الوضوح والشفافية، والعراقيون اليوم يمتلكون قدرًا كبيرًا من الوعي السياسي، ولم تعد الخطابات التقليدية أو الشعارات العامة كافية لإقناعهم. لذلك فإن الحكومة مطالبة بتقديم برامج واضحة، وأهداف قابلة للقياس، ومصارحة المواطنين بما تستطيع تحقيقه وما لا تستطيع تحقيقه، بدل ترك المجال للتأويل أو تضارب الرسائل السياسية.
إن استخدام الأراضي العراقية منصةً لشن هجمات على دول الخليج من قبل المليشيات التابعة لإيران هو عدوان صريح وانتهاك للقانون الدولي، ويمنح الدول المعتدى عليها حق الدفاع عن نفسها والرد على مصادر التهديد، وهو ما أكدت عليه السعودية رسميًا. أما الرد السعودي–الأمريكي اليوم، فقد أثبت أن زمن البيانات قد انتهى، وأن الاعتداءات تُواجَه بالفعل لا باللجان، بعد تنفيذ ضربات مشتركة استهدفت مواقع للمليشيات المدعومة من إيران داخل العراق. إذا كان الزيدي يريد إثبات أن السلاح بيد الدولة، فالحل ليس تشكيل لجان لا يثق بها أحد، بل استخدام كل إمكانات الدولة، وبالتنسيق مع الحلفاء عند الحاجة، لتحديد مطلقي الصواريخ والطائرات المسيّرة، واعتقالهم، ومصادرة أسلحتهم، وإنهاء أي تمرد مسلح بالقوة التي يجيزها القانون. هيبة الدول تُبنى بفرض القانون، لا بإصدار البيانات. وإذا استمرت الحكومة في التردد، فلن تتوقف الاعتداءات، بل ستفقد الدولة هيبتها وسيادتها، وتدفع العراق ثمنًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاد اكبر.
تشهد المنطقة تغيرات متسارعة، سواء في طبيعة العلاقات بين القوى الكبرى أو في التوازنات الأمنية والسياسية. وفي ظل هذه المتغيرات، يحتاج العراق إلى سياسة خارجية متوازنة تقوم على مبدأ عدم الانحياز لمحاور الصراع، مع الحفاظ على أفضل العلاقات الممكنة مع جميع الدول بما يخدم المصلحة الوطنية. إن استقرار العراق يجب أن يبقى أولوية مطلقة، لأن أي انزلاق إلى سياسة المحاور سيجعل البلاد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وهو ما دفع العراقيون ثمنه لعقود طويلة. أصبح من الضروري إطلاق حوار وطني شامل يضم مختلف القوى السياسية والاجتماعية والأكاديمية، بهدف إعادة بناء العقد الوطني على أساس المواطنة وسيادة القانون والعدالة والمساواة. وقد يشكل عقد مؤتمر وطني عراقي خطوة مهمة إذا توفرت له الإرادة السياسية الحقيقية، وكانت مخرجاته ملزمة لجميع الأطراف، بعيدًا عن الحسابات الحزبية الضيقة. وينبغي أن يناقش المؤتمر ملفات أساسية، منها: إصلاح النظام السياسي، تعديل آليات إدارة الدولة، إنهاء المحاصصة السياسية.، تعزيز استقلال القضاء، إعادة بناء المؤسسات الأمنية على أسس مهنية، حصر السلاح بيد الدولة، ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، وضع رؤية اقتصادية وتنموية طويلة الأمد.
العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن يواصل إدارة أزماته بالأساليب التقليدية التي أثبتت محدوديتها، أو أن يبدأ مشروعًا حقيقيًا لبناء دولة المؤسسات والقانون. إن نجاح أي حكومة لن يقاس بعدد الزيارات الخارجية أو حجم التصريحات السياسية، وإنما بقدرتها على استعادة ثقة المواطن، وفرض سيادة الدولة، وتحقيق الإصلاح المؤسسي، ومحاربة الفساد، وبناء أجهزة حكومية تعتمد الكفاءة والنزاهة معيارًا وحيدًا للتكليف. وفي النهاية، تبقى المصلحة الوطنية العراقية فوق جميع الاعتبارات، وهي البوصلة التي ينبغي أن توجه السياسة الداخلية والخارجية، لأن قوة العراق واستقراره هما الضمانة الأساسية لمستقبل أبنائه ودوره في المنطقة، وتذكروا دائماّ ان الله معنا.
د. أيهم السامرائي
المجلس الوطني العراقي للتغير/ الحراك العراقي
٣٠/ ٧ / ٢٠٢٦
![]()
