متابعات – في تسجيل نادر، تكشف سيدة مسنة من أبناء الكويت وصفاً دقيقاً لحدود البلاد كما عرفها أهلها قديماً، وهو ما يُسقط سردية التمدد الحدودي ويعزز الموقف العراقي في قضية خور عبد الله، المتنازع عليه بين البلدين.
المقطع، الذي يعود لسيدة مسنة عايشت الحقبة التي سبقت نشوء الدولة الحديثة، تصف الكويت بأنها “بلاد مو كبيرة”، محاطة بسور يطوّقها من جميع الجهات، تبدأ حدوده من “الجهراء” وتنتهي عند “دروازة دسمان”، مروراً بأبواب شهيرة مثل “دروازة البريعسي” و”دروازة النايف” و”دروازة الجهرة”. هذا التوصيف المحلي يتعارض كلياً مع أي إدعاء بامتداد السيادة الكويتية إلى منطقة خور عبد الله، التي كانت منذ تأسيس الدولة العراقية تحت السيادة الإدارية والبحرية لبصرة العراق.
الرواية الشفوية الموثّقة بصوت أحد أبناء الأرض تعكس الواقع الجغرافي والاجتماعي للكويت قبل اكتشاف النفط، حيث كانت البلاد محصورة بسورها الشهير، والناس يعيشون على الزراعة حول الآبار، في بساتين صغيرة قرب “الجليب”. يتحدث الراوي عن قلة عدد المركبات في البلاد، مشيرة إلى أن الكويت كانت تملك ثلاث سيارات فقط، ما يعكس محدودية المساحة والتنقل، ويدحض فكرة التوسع العميق جنوباً أو غرباً نحو خور عبد الله.
السيدة، دون قصد، قدّم شهادة حاسمة تعضد الرواية العراقية في أن خور عبد الله لم يكن ضمن حدود الكويت التقليدية، لا إدارياً ولا جغرافياً، وهو ما تؤكده أيضاً الخرائط التاريخية البريطانية والوثائق الرسمية التي ظلت تعترف بخور عبد الله كممر عراقي حتى بدايات القرن الحادي والعشرين، حين بدأت محاولات فرض أمر واقع سياسي على حساب الجغرافيا والتاريخ.
الرواية تكتسب أهمية مضاعفة في ظل تصاعد الجدل حول الاتفاقيات الحدودية، وتُشكل وثيقة صوتية من “شاهد من أهلها”، تثبت أن الكويت لم تكن تملك سواحل ممتدة أو جزر متاخمة للعراق، بل كانت دولة صغيرة محصورة داخل سورها، ولا صلة لها بخور عبد الله الذي يمثّل شرياناً بحرياً أساسياً للعراق وميناء الفاو الكبير.
هذه الشهادة التاريخية ليست مجرد رواية شعبية، بل تُعد جزءاً من الأدلة التي يجب أن تُطرح على طاولة الحوار الإقليمي والدولي، لتثبيت الحق العراقي في ممراته البحرية، ورفض التعدي على حدوده السيادية باسم اتفاقيات جرى توقيعها في ظروف استثنائية.
لقد آن الأوان لإعادة النظر في ملف خور عبد الله برمّته، ليس فقط من منطلق قانوني، بل أيضاً من منطلق تاريخي وشعبي، فالحدود لا ترسمها القوة السياسية فقط، بل ترسّخها الذاكرة الجمعية والشهادة الحيّة لأهل الأرض.
![]()
