بغداد – لم يكن الهجوم الأخير على حقل كورمور الغازي في السليمانية حادثة محدودة كما في المرات السابقة، بل كشف هشاشة إدارة الدولة العراقية وقدرة السلطات على مواجهة تهديدات متزايدة التعقيد، فضلاً عن ضعف التنسيق المحلي في حماية المنشآت الحيوية، بينما يظهر الانخراط الأمريكي بشكل واضح لتعويض إخفاق السلطات العراقية. تكرار الهجمات خلال فترة قصيرة أعاد تسليط الضوء على هشاشة المنظومة الأمنية، سواء في بغداد أو أربيل، وسط مخاوف من أن تكون هذه الهجمات مقدمة لمرحلة أكثر حساسية شمالاً وجنوباً.
تعرض الحقل مساء الأربعاء لهجوم بطائرات مسيرة مجهولة، أسفر عن حرائق محدودة وتوقف شبه كامل لتدفق الغاز إلى محطات الكهرباء في الإقليم. رغم غياب الإصابات البشرية، أثارت طبيعة الهجوم تساؤلات جدية حول الجهة المنفذة، والقدرة التقنية للمسيرات، ومسارها للوصول إلى منشأة محمية من أكثر من جهة، وهو ما يعكس ضعف قدرة السلطات المحلية على حماية منشآت حيوية أساسية. التحقيقات الأولية لم تقدّم أي معلومات كافية، ما دفع الحكومة للتحرك عاجلاً على المستويين الأمني والفني.
اجتمع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني مع وزيري الدفاع والداخلية ورؤساء الأجهزة الأمنية، ووجّه بتشكيل لجنة تحقيق عليا بمشاركة وزارة الداخلية وجهاز المخابرات ووزارة الداخلية في إقليم كردستان، وبمساندة التحالف الدولي، في مؤشر على أن السلطات العراقية غير قادرة على تتبع مصادر الهجوم بمفردها.
من جانبها، أعلنت وزارتي الموارد الطبيعية والكهرباء توقف تصدير الغاز نحو محطات التوليد، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الإنتاج وفضح ضعف البنية التحتية للطاقة واعتمادها على حقل واحد دون بدائل تشغيلية.
موقف واشنطن كان حازماً، إذ اتهم مبعوث الرئيس الأمريكي مارك سافايا جهات مسلحة “تعمل خارج القانون” بالوقوف وراء الهجوم، وربطها بأجندات أجنبية معادية، مؤكداً دعم الولايات المتحدة الكامل للحكومة العراقية في محاسبة المسؤولين، وحماية المنشآت الحيوية، وبناء قدرات الدفاع الوطني. التصريحات الأمريكية تبرز حجم الاعتماد على دعم خارجي لتعويض عجز السلطات المحلية والفشل في حماية الموارد الأساسية.
ويرى خبراء أن تكرار الاستهداف يشير إلى استخدام تقنيات متطورة تتجاوز إمكانيات بعض الفصائل المحلية، ما يجعل التحليل الفني الدولي ضرورياً، ويكشف ضعف التنسيق الأمني والفني العراقي. الهجوم يضع الحكومة أمام معادلة صعبة: حماية قطاع الطاقة وتأمين الاستثمارات الأجنبية، مع الحفاظ على التوازن السياسي الداخلي، في ظل فشل متكرر للسلطات في منع هذه الأزمات.
الهجوم على كورمور لم يقتصر على كونه تهديداً داخلياً، بل أصبح اختباراً لقدرة الدولة على مواجهة المخاطر، في وقت تتزايد فيه التوترات الإقليمية. ومع استمرار غياب الحلول الجذرية من السلطات، يبقى الحقل محوراً أساسياً في نقاشات الأمن والطاقة، ومرآة لفشل المسؤولين في ضمان الاستقرار وحماية منشآت العراق الحيوية.
![]()
