
د. أيهم السامرائي
المجلس الوطني العراقي للتغيير/ الحراك العراقي
لم يعد السؤال اليوم: هل يتغير العالم؟ بل أصبح: من سيكون جزءًا من هذا التغيير، ومن سيبقى أسير الماضي؟ منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 دخل النظام الدولي مرحلة مختلفة. الحرب في غزة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت نقطة تحول كشفت هشاشة كثير من المعادلات التي حكمت السياسة الدولية لعقود. ومنذ ذلك التاريخ، امتدت ارتدادات الأزمة إلى لبنان واليمن والبحر الأحمر، وتزايد التوتر في بحر الصين، واستمرت الحرب في أوكرانيا، بينما أصبحت أفريقيا والشرق الأوسط ساحتين رئيسيتين للتنافس بين القوى الكبرى. في تقديري، فإن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنظر إلى هذه المرحلة باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب أولويات السياسة الأمريكية وتحالفاتها الدولية. وقد يختلف المراقبون في تقييم هذه السياسة، لكن من الصعب إنكار أن واشنطن تسعى إلى إعادة رسم موازين القوة بما يحافظ على تفوقها الاقتصادي والسياسي والعسكري في مواجهة منافسيها، وفي مقدمتهم الصين وروسيا.
ولا يقتصر هذا الحراك على أوروبا أو آسيا، بل يمتد بقوة إلى أفريقيا. فالمبعوث الأمريكي مسعد بولس يتابع ملفات معقدة تشمل جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا والسودان وليبيا والصومال ومنطقة الساحل، إلى جانب ملفات الاستثمار والبنية التحتية، وهو ما يعكس الأهمية المتزايدة التي توليها الولايات المتحدة للقارة الأفريقية في صراع النفوذ العالمي. أما الشرق الأوسط، فهو يبقى القلب الحقيقي لأي مشروع دولي جديد. فهذه المنطقة ليست مجرد خزان للطاقة، بل هي عقدة التجارة العالمية ومركز التوازنات الأمنية والسياسية. ومن هنا، فإن أي مشروع لإعادة تشكيل المنطقة لن ينجح ما لم تُعالج أسباب عدم الاستقرار، وفي مقدمتها الحروب، والفساد، والسلاح الخارج عن سلطة الدولة. ومن هذا المنطلق، يرى كثير من المحللين أن مستقبل إيران سيكون أحد أهم العوامل المؤثرة في شكل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة، سواء عبر إصلاحات داخلية أو تحولات سياسية أو تغير في طبيعة نفوذها الإقليمي. وإذا حدثت مثل هذه التحولات، فمن المرجح أن تنعكس على واقع الجماعات المسلحة المرتبطة بها في عدد من دول المنطقة.
وفي قلب هذه المعادلة يقف العراق. العراق ليس دولة هامشية، بل هو مركز جغرافي وسياسي وحضاري لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية جديدة. غير أن المشكلة لا تكمن في موقع العراق، بل في طريقة إدارته. فالدول تتقدم بالمؤسسات، وسيادة القانون، والتعليم، والاقتصاد المنتج، بينما تتراجع عندما تتحول السياسة إلى صراع دائم على السلطة والنفوذ. إن أول كلمة نزلت في القرآن الكريم لم تكن “قاتل” ولا “احكم”، بل كانت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. إنها رسالة تؤكد أن بناء الأمم يبدأ بالعلم والمعرفة، لا بالجهل والانقسام والتخلف. واليوم، يقف العراق أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن ينخرط في مشروع الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والكفاءة ومحاربة الفساد، وإما أن يبقى رهينة صراعات الماضي التي استنزفت ثرواته وفرصه وأحلام أبنائه. وفي هذا السياق، تكتسب زيارة الزيدي إلى واشنطن أهمية سياسية تتجاوز بعدها البروتوكولي، لأنها تأتي في لحظة إقليمية ودولية تشهد إعادة تموضع للقوى وتحولات قد تعيد رسم ملامح المنطقة بأكملها. وما إذا كان العراق سيحسن استثمار هذه التحولات أم سيفوتها، فذلك يعتمد أولًا وأخيرًا على قدرة العراقيين على بناء دولة قوية، مستقلة، حديثة، تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. إن الأمم لا تنتظر المترددين، والتاريخ لا يمنح فرصًا كثيرة. ومن يقرأ حركة العالم اليوم يدرك أن السنوات المقبلة ستكون سنوات إعادة تشكيل كبرى، وأن العراق، إذا امتلك الإرادة الوطنية والإدارة الرشيدة، يستطيع أن يكون لاعبًا في صناعة المستقبل، لا مجرد متفرج على ما يصنعه الآخرون.
الخطب لا تبني دولة… والفساد لا يُهزم بالشعارات؛ إذا كان الزيدي جادًا في مشروعه لحصر السلاح بيد الدولة واجتثاث الفساد، فإن طريق النجاح واضح ولا يحتاج إلى كثير من التنظير. عليه أن يستند إلى الشعب العراقي، وأن يحيط نفسه بالكفاءات الوطنية والتكنوقراط، وأن يتخذ مواقف واضحة لا تحتمل التأويل في تحالفاته وعلاقاته الخارجية، بعيدًا عن سياسة المناورة أو ازدواجية الخطاب. العراق لم يعد يحتمل المزيد من الخطب الرنانة والوعود المؤجلة. ما يحتاجه العراقيون هو قرارات حاسمة، تُتخذ بثقة، وتُنفذ بإرادة لا تعرف التراجع. فالخطاب السياسي يفقد قيمته عندما لا يتحول إلى إجراءات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. وإذا كانت الحكومة ما زالت أسيرة لضغوط القوى السياسية أو للتأثيرات الخارجية، فإنها لن تتمكن من بناء دولة قوية ذات قرار مستقل. فلا يمكن محاربة الفساد بعقلية المساومات، ولا استعادة هيبة الدولة بمنهج التسويات. ومن أكثر المشاهد إثارة للاستغراب أن تطلب الحكومة من المواطنين الإبلاغ عن الفاسدين مقابل مكافآت مالية. وكأن أسماء كبار الفاسدين مجهولة، أو أن ثرواتهم المفاجئة وأملاكهم وقصورهم واستثماراتهم لا تراها مؤسسات الدولة. الحقيقة أن العراقيين يعرفونهم، والدوائر الرسمية تعرفهم، والملفات تعرفهم أكثر من الجميع. القضية ليست في العثور على الأسماء، بل في امتلاك الإرادة السياسية لتفعيل القانون. فلو وُجد قضاء مستقل ونزيه، وهيئات رقابية تعمل بحرية كاملة، لانكشفت ملفات الفساد خلال وقت قصير، ولظهرت الحقائق بالأدلة والأرقام، واستُعيد جزء كبير من الأموال المنهوبة. وأبسط معايير العدالة أن تبدأ الدولة بمراجعة مصادر ثروات كل مسؤول أو متنفذ تضخمت ممتلكاته بصورة لا تنسجم مع دخله المشروع، وأن يخضع الجميع للمساءلة دون حصانة أو استثناء أو انتقائية. فسيادة القانون لا تتحقق بالشعارات، وإنما بالمساواة في تطبيقه. إن معركة الإصلاح ليست معركة إعلامية، بل اختبار حقيقي للشجاعة السياسية. فإن كانت الحكومة تؤمن بما تعلنه، فلتبدأ بالفعل قبل القول، ولتفتح ملفات الفساد الكبرى دون تردد، ولتضع كبار المتورطين أمام القضاء، لا أن تكتفي بخطب تُلقى على المنابر ثم تتبخر مع أول اختبار. أما إذا بقيت القرارات مؤجلة، والإجراءات انتقائية، والوعود بلا تنفيذ، فلن يكون الحديث عن الإصلاح سوى فصل جديد من مسلسل الوعود التي اعتاد العراقيون سماعها، بينما يستمر الفساد في التغلغل، وتستمر الدولة في ضعفها. توكل على الله وستجد الشعب معك ولن تخسر المعركة والتاريخ لا ينساك.
٩ / ٧ / ٢٠٢٦
![]()
