
بقلم : د. أيهم السامرائي
إن إحياء ذكرى يوم النصر العظيم في الثامن من آب ١٩٨٨ لا ينبغي أن يبقى مجرد استذكار لصفحة مجيدة من تاريخ العراق، بل يجب أن يكون مناسبة لقراءة حاضرنا واستشراف مستقبلنا. فالعراق الذي وقف ثماني سنوات في مواجهة الحرب التي فرضها النظام الإيراني عليه، ودفع شعبه وجيشه ثمناً غالياً دفاعاً عن أرضه وسيادته، يواجه اليوم تحدياً من نوع آخر؛ إذ لم يعد الخطر الإيراني يعتمد على الحرب المباشرة وحدها، بل امتد إلى بناء نفوذ سياسي وديني وأمني وعسكري داخل العراق، واستخدام فصائل مسلحة مرتبطة به كأدوات لتهديد العراق ودول المنطقة. واليوم، وفي ظل الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني واتساع تداعياتها في المنطقة، أصبح واضحاً أن المشكلة لا تكمن في الشعب الإيراني، ولا في حقه في العيش بحرية وكرامة، وإنما في النظام الإيراني الحاكم الذي صادر إرادة شعبه، وفرض عليه حكماً تسلطياً، وأنشأ شبكة من الميليشيات والأذرع المسلحة خارج حدوده، استخدمها لزعزعة استقرار العراق وسوريا ولبنان واليمن ودول الخليج العربي والأردن .
ومن هنا، فإننا نطالب الرئيس ترامب أن يميز بوضوح بين الشعب الإيراني ونظامه الحاكم. فالسياسة الأمريكية يجب ألا تستهدف الشعب الإيراني، بل يجب أن تقف إلى جانب حقه في الحرية والديمقراطية وتقرير مصيره، وأن تعمل في الوقت نفسه على إنهاء قدرة النظام الإيراني على تهديد شعبه وجيرانه واستخدام الميليشيات والوكلاء لشن الحروب خارج أراضيه. إن أي تسوية مع طهران لا تعالج أصل المشكلة، ولا تضع حداً لتدخلها في شؤون دول المنطقة، ولا تنهي مشروعها في إنشاء وتسليح الميليشيات، ستكون مجرد تأجيل للأزمة وليس حلاً لها. ولذلك فإن المطلوب هو استراتيجية واضحة تضع حداً لتمدد النظام الإيراني، وتحرم أذرعه المسلحة من التمويل والسلاح، وتدعم قيام حكومات وطنية ذات سيادة في دول المنطقة، وفي مقدمتها العراق.
العراق تحديداً يجب ألا يكون ساحة حرب بالوكالة بين واشنطن وطهران. ونحن نرحب بأي خطوة من الحكومة العراقية تهدف إلى حماية الأراضي العراقية ومنع استخدامها منصة للهجوم على الدول العربية الشقيقة. ولا سيما المملكة العربية السعودية ودول الخليج بالإضافة إلى الجارة تركيا. وفي هذا السياق، فإن تحرك رئيس الوزراء العراقي ورفع درجة الاستعداد الأمني لمواجهة احتمال قيام الميليشيات العراقية بتهديد أو استهداف السعودية ودول الخليج يمثل، إذا استمر وتحول إلى إجراءات عملية، اتجاهاً صحيحاً نحو إعادة الاعتبار لسلطة الدولة، ما عدى ذلك فهو ضحك على الذقون ولن تصيب إلا صاحبها وهنا المعني طبعاً الزيدي. وقد أثبتت التطورات الأخيرة أن استمرار وجود جماعات مسلحة قادرة على اتخاذ قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة لم يعد شأناً عراقياً داخلياً، بل أصبح تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي. فقد تعرضت السعودية والأردن والكويت لهجمات من اتجاه الأراضي العراقية، وردت المملكة السعودية والولايات المتحدة بضربات على مواقع جماعات مسلحة مرتبطة بإيران داخل العراق ودمروا مواقع الصواريخ ودمروا مصانعها ومخازنها مع سقوط الكثيرين من جواسيس ايران قتلى نتيجة الضربة. وهنا تقع على الحكومة العراقية مسؤولية تاريخية: لا يكفي وضع القوات الأمنية في حالة تأهب، بل يجب منع الميليشيات من اتخاذ قرار الحرب، وملاحقة كل من يهدد الدول المجاورة من الأراضي العراقية، وإخضاع جميع الأسلحة والقرار العسكري لسلطة الدولة وحدها. إن الخطوة الحقيقية لاستعادة سيادة العراق تبدأ من إنهاء ازدواجية السلاح والقرار، ومنع أي جهة عراقية من أن تكون أداة بيد دولة أجنبية.
لقد أكد بيان يوم النصر لحزب البعث “أن العراق لا يستعيد مكانته إلا باستعادة الدولة الوطنية القوية، وترسيخ سيادة القانون، وإنهاء أشكال الهيمنة والتبعية الخارجية”. واليوم، وبعد ثمانية وثلاثين عاماً على نصر العراق في ٨ آب ١٩٨٨، تتجدد الرسالة: لا عراق قوياً من دون دولة قوية، ولا دولة قوية مع وجود سلاح خارج سلطة الدولة، ولا سيادة للعراق مع استمرار النفوذ العسكري لدولة أجنبية، ولا أمن للعراق إذا تحول إلى منصة لتهديد أشقائه العرب. إن ذكرى النصر العظيم يجب أن تكون دعوة إلى بناء عراق مستقل، عربي الانتماء، ديمقراطي الدولة، قوي المؤسسات، يحتكر السلاح والقرار، ويحترم سيادة جيرانه، ويكون جسراً للسلام والتعاون في المنطقة لا ساحة للصراع والحروب بالوكالة. وفي هذه اللحظة التاريخية، نقف مع الشعب الإيراني في حقه في في تقرير مصيره والتحرر من قبضة الملالي المجرمة في حقهم خلال ال٤٧ سنة الماضية وندعو العالم ان يدعم شعب ايران في الحرية والاستقلال.
المجلس الوطني للتغيير والحراك العراقي وحزب الحرية والتقدم يهنئون السعودية وتركيا وباكستان على موقفها الشجاع وتوحيد جهودها لحماية أمن المنطقة والتصدي للعدوان المليشياوي والإجرامي. وندعو السيد الزيدي إلى استغلال هذه الفرصة التاريخية وطلب الدعم من التحالف وجميع الأشقاء والأصدقاء، وليس من أمريكا وحدها، لنزع سلاح المليشيات والمافيات الخارجة عن سلطة الدولة. لقد حان الوقت لمواجهة الحقيقة: المليشيات المدعومة من إيران هي الخطر الأكبر على العراق والمنطقة، وقد استثمرت إيران ٤٧ عامًا لتمكينها من مفاصل الدولة العراقية. السيد الزيدي، هذه لحظتك لإثبات أن الدولة أقوى من المليشيات، وأن قرار العراق في بغداد وليس في طهران. انتهى زمن المساومات والتقية والمماطلة؛ وعلى الجميع الالتزام بالموعد المحدد في ٣٠ / ٩ وتنفيذ ما يترتب عليه دون تأخير.
توكلوا على الله، وليكن العراق دولة واحدة، بسلاح واحد وقرار وطني واحد.
د. أيهم السامرائي
المجلس الوطني العراقي للتغير/ الحراك العراقي
![]()
