في فصل جديد من فصول الإهمال الحكومي الممنهج، تشهد محافظة البصرة تفاقمًا خطيرًا في ملوحة المياه، ما يهدد حياة ملايين السكان ويكشف عجز السلطات عن حماية أبسط مقومات الحياة. منظمة “المزرعة للتطوير الزراعي والبيئي” أطلقت تحذيرًا بالغ الخطورة، معتبرة الأزمة “تهديدًا وجوديًا” للإنسان والحيوان والزراعة، في محافظة تُعدّ عصب الاقتصاد العراقي. التقارير الرسمية أظهرت أرقامًا كارثية: 30 ألف جزء في المليون من الملوحة في مياه الفاو، تليها 20 ألف في مركز البصرة، و6 آلاف في الهارثة.
هذه الأرقام لا تنذر فقط بانهيار بيئي، بل بإبادة تدريجية لسكان المنطقة الذين لم يعودوا يجدون ماءً صالحًا للشرب أو للزراعة، فيما الحكومة تكتفي بمراقبة الكارثة عن بعد، دون خطة أو تدخل حقيقي.
ورغم التحذيرات المتكررة، تغيب الحلول الجذرية، وتغيب معها الإرادة السياسية، في مشهد يتكرر سنويًا دون أن تتعلّم الدولة من دروس الفشل. لا مشاريع تحلية، ولا سدود، ولا استثمار في المياه الجوفية، ولا حتى حملات جدية لرفع منسوب المياه العذبة في شط العرب.
ما يحدث في البصرة لم يعد مجرد أزمة، بل فضيحة تُدين الحكومات المتعاقبة بالصمت والتقصير والتواطؤ. المنظمة البيئية قدمت خارطة حلول واضحة: بناء حاجز مائي، تشغيل محطات تحلية بالطاقة الشمسية، تحفيز مشاريع المياه البديلة… لكن كل هذه المقترحات تواجه حائطًا من الإهمال المزمن، وكأن أرواح سكان البصرة لا تدخل ضمن الحسابات السياسية أو لا تملك الصوت الكافي لفرض حضورها في مراكز القرار. ويبقى السؤال المؤلم: هل كُتب على أهل الجنوب أن يختنقوا بالماء المالح في بلد يعوم على النفط؟ هل أصبحت البصرة مجرد خزان يُنهب، لا مدينة تُحمى؟ وهل سيبقى “الملح” ينهش أجساد الأطفال ويخنق الأرض، بينما تواصل الحكومة إطلاق التصريحات الجوفاء من أبراجها العاجية؟ إن الصمت الرسمي أمام هذه الكارثة ليس مجرد فشل، بل جريمة مستمرة ترتكب باسم الإهمال، في حق مدينة أعطت العراق كل شيء، ولم تحصل بالمقابل حتى على جرعة ماء نقي.
![]()
