الانبار – في مشهد يتكرر يوميًا دون حلول حقيقية، تشهد محافظة الأنبار تصاعدًا مقلقًا في أعداد المتسولين، وسط فشل حكومي واضح في احتواء الظاهرة، رغم ما تحمله من أبعاد اجتماعية وأمنية تهدد استقرار المجتمع وتشوّه صورة المدن. ورغم الحملات الأمنية الخجولة، فإن التسوّل لم يعد مجرد سلوك فردي ناتج عن الفقر، بل تحوّل إلى تجارة منظمة تقودها عصابات تستغل هشاشة الفئات الأضعف، في ظل غياب خطط شاملة من السلطات لمعالجة الجذور الحقيقية للأزمة.
ويؤكد الباحث الاجتماعي عدنان العيساوي أن ما تشهده الأنبار ليس نتيجة فقر فحسب، بل يعود إلى تفشي نمط من التسوّل المنظم، حيث تُمارس هذه المهنة من قبل أفراد أو شبكات تستغل تعاطف المجتمع، بينما تغيب عن المشهد أي استراتيجية وقائية من الجهات المعنية.
الناشط المدني محمد القيسي أشار بدوره إلى أن تزايد أعداد المتسولين يكشف غياب التنسيق بين المؤسسات المسؤولة عن الرعاية الاجتماعية، معتبراً أن الحلول الأمنية وحدها غير كافية، مطالبًا بإعادة تحديث بيانات العائلات الفقيرة وتفعيل برامج الدعم الفعلي لتقليص الحاجة للنزول إلى الشارع.
ورغم هذه المؤشرات، اكتفت السلطات بإطلاق حملة أمنية محدودة في مدن الأنبار كالرمادي والفلوجة وهيت وحديثة، أفضت إلى اعتقال بعض المتسولين، بينهم من يحمل وثائق رسمية، وآخرون لا يمتلكون أي إثبات قانوني. وهي إجراءات لم تمس جوهر المشكلة، ولم تعالج بيئة الإهمال التي دفعت الآلاف إلى امتهان التسوّل كمصدر دخل.
وتحاول قيادة شرطة الأنبار، من جهتها، تغطية هذا العجز بتصريحات حول “تشويه المنظر العام” و”إزعاج السكان”، بينما الواقع يشي بأن الأزمة أكبر من ذلك بكثير، وتتطلب استجابة متعددة المستويات تشمل الجوانب الاقتصادية والقانونية والاجتماعية.
وفي الوقت الذي تعلن فيه وزارة العمل عن خطة لمنح المتسولين المقبوض عليهم رواتب شهرية مقابل تعهد قانوني بعدم العودة للتسوّل، تبدو هذه الإجراءات تجميلية أكثر منها حلولاً فعلية، إذ لم تُرفَق بخطط رعاية طويلة الأمد أو خلق فرص اقتصادية بديلة.
تقرير حديث للمركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان فضح بدوره حجم الانفلات، مشيرًا إلى أن التسول في العراق بات تجارة تقودها شبكات منظمة تمارس الاتجار بالبشر، مستغلة الأطفال والنساء وحتى الوافدين من الخارج، الذين يدخلون البلاد تحت غطاء العمل المؤقت أو السياحة أو اللجوء.
ووفقاً للتقرير، فقد تم ترحيل أكثر من 40 ألف متسول أجنبي خلال الأعوام الأخيرة، لكن الآلاف ما زالوا يمارسون التسوّل، في ظل عجز حكومي عن ضبط الحدود أو محاسبة شبكات الاتجار بالبشر.
وتحوّل التسوّل في العراق إلى ظاهرة متعددة الأوجه، منها الإلكتروني، والصحي، والتسوّل تحت غطاء العمل الخيري، ما يشير إلى غياب الرقابة وانهيار أدوات الدولة أمام شبكات متغلغلة في قلب المجتمع، تعمل تحت سمع وبصر الجميع.
في ختام تقريره، دعا رئيس المركز فاضل الغراوي الحكومة العراقية إلى إعلان عام 2025 عامًا خاليًا من التسوّل، عبر إطلاق حملة وطنية شاملة لا تكتفي بالتصريحات والوعود، بل تعتمد على إصلاحات حقيقية تعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية، وتضع حدًا لانهيار منظومة الحماية الاجتماعية في العراق .
![]()
