في تطور يشي بوجود ترتيبات تتجاوز حدود الداخل، كشفت مصادر مطلعة على كواليس المفاوضات في الشهر الماضي، عما وصفته بـ«مفاجأة من العيار الثقيل»، تتعلق بدور إيراني خفي في إدارة مسار تشكيل الحكومة الجديدة، عبر خطة جرى تصميمها بعناية لتُنفّذ «من دون إثارة غبار».
المصادر تكشف أن ما طُرح لم يكن جديداً بالكامل، بل إعادة إحياء لخطة «التسوية الكبرى» التي جرى تداولها منذ مطلع 2025 – مع بعض التعديلات – على وقع توقعات بتصعيد أميركي ضد وكلاء إيران في المنطقة.
هذه التسوية تضمنت، خلال طرحها قبل أقل من سنة، مرحلتين:
الأولى (الجارية): تقليل التوتر مع واشنطن عبر إنهاء دور «الفصائل المتمردة» مقابل الإبقاء على «الحشد الشعبي» ضمن إطار الدولة.
الثانية (المؤجلة): دمج الحشد في المؤسسات الأمنية الرسمية، في حال فشل المرحلة الأولى.
وتشمل «الفصائل المتمردة» جماعات مثل «كتائب حزب الله» و«النجباء» و«سيد الشهداء»، وهي فصائل لا تلتزم، وفق التوصيف، بالخط الرسمي للحشد في تجنب التدخلات الإقليمية.
«بدون إثارة غبار»: استراتيجية التغلغل الهادئ
وفق المصادر، فإن التحول الأبرز في المقاربة الإيرانية يتمثل في الانتقال من الحضور العسكري المباشر إلى تعزيز النفوذ عبر القنوات السياسية والمدنية.
وتقوم هذه الاستراتيجية على: التغلغل في المؤسسات الحكومية والدبلوماسية والأمنية، وتقليل الأنشطة العسكرية العلنية، وتجنب أي استفزاز مباشر لواشنطن.
وفي كلتا المرحلتين، تبدو المناصب المتقدمة داخل هيئة “الحشد الشعبي” أداة تفاوضية مهمة، إذ تمنح الأطراف المعنية ثقلاً إضافياً على طاولة التفاهمات، وتوفر في الوقت ذاته بديلاً لتعويض المواقع التي قد يجري التخلي عنها ضمن ترتيبات «التسوية»، مع ضمان الاحتفاظ بنفوذ مؤثر داخل مراكز القرار السياسي.
ويمكن أيضاً أن يُعلن بشكل «صوري» عن نزع سلاح الفصائل، إذ لم يُسجَّل حتى الآن أي إعلان رسمي بشأن تسلّم سلاح الفصائل الأربع التي أعلنت قبل خمسة أشهر تخليها عنه، رغم استمرار الجدل حول جدوى هذا المسار، لا سيما في ظل المخاوف من انتقال جزء من هذا السلاح أو إعادة توظيفه داخل هيئة الحشد الشعبي، حيث تمتلك بعض تلك الفصائل أجنحة نافذة داخله.
وفي السياق ذاته، تُقدّر إيران، وفق معلومات متداولة، أن شعبية دونالد ترامب قد تتراجع في انتخابات منتصف الولاية المقررة لاحقاً هذا العام، وهو ما قد يحدّ من قدرة واشنطن على تشديد الضغط على طهران، ويعيد – بحسب هذه التقديرات – مساحة نفوذ أكبر لحلفائها في المنطقة.
هذا التحول يفسر، بحسب المراقبين، حالة الصمت غير المعتادة للفصائل إزاء تصريحات دونالد ترامب الداعمة لتكليف علي الزيدي، التي تضمنت دعوة إلى تشكيل حكومة «بعيدة عن الإرهاب».
غير أن هذا المطلب الأميركي بدا، في نظر مراقبين، غير منسجم مع موازين القوة على الأرض، خصوصاً أن هذه الجماعات تمتلك ما لا يقل عن 80 مقعداً داخل البرلمان، ولم تخسر فعلياً سوى منصب نائب رئيس المجلس، وهو موقع لا يمثل ثقلاً حاسماً في معادلة توزيع السلطة.
في المحصلة، لا يبدو أن اختيار علي الزيدي يحسم الصراع السياسي القائم، إذ تشير مصادر مطلعة إلى أن الحكومة الجديدة، في حال تشكلها، لن تكون سوى نتاج تسوية هشة تقوم على تهدئة مؤقتة بين القوى الشيعية، وإعادة تموضع إيراني أقل صداماً

![]()
