بغداد – وسط تضاريس شمال العراق الوعرة، حيث تتشابك المصالح الإقليمية مع تناقضات الداخل، يتصاعد التوتر السياسي والشعبي في مشهد يكشف عمق الفشل الرسمي. فمن نينوى حتى مدن إقليم كردستان، تتراكم ملفات حساسة تتجاوز قدرة السلطات على إدارتها، لتتحول إلى علامات صارخة على ضعف الدولة وتغلغل النفوذ الخارجي.
ففي الوقت الذي يواصل فيه الجيش التركي تمدده داخل مناطق حدودية بالغة الحساسية، تنكشف أزمة داخلية خانقة داخل الإقليم، تُتهم فيها عوائل نافذة بتحويل الثروات والموارد إلى ممتلكات خاصة، تحت غطاء سياسات اقتصادية وأمنية مشوبة بالفساد وغياب الشفافية. وبين هذا وذاك، يقف الموقف الحكومي—الاتحادي والإقليمي—باهتاً وعاجزاً، تاركاً المواطن أمام هوة تتسع كل يوم بينه وبين مراكز القرار.
النائب السابق محمد الشبكي كشف عمّا وصفه بـ”التوسع النشط” للقواعد التركية داخل نينوى، مؤكداً أن هذا التمدد يتم ضمن تفاهمات غير معلنة بين أنقرة وبعض الأطراف الكردية في المناطق الخاضعة لسيطرة البيشمركة. وأضاف أن حلّ حزب العمال الكردستاني أسقط الذريعة التركية التقليدية، لكن القواعد لم تُرفع، بل ازداد نشاطها، فيما تعجز الحكومة الاتحادية عن اتخاذ أي إجراء سيادي حقيقي، في مشهد يطرح تساؤلات خطيرة حول حدود القرار العراقي.
كما أوضح الشبكي أن النفوذ التركي يأخذ أشكالاً متعددة، من صفقات اقتصادية إلى خطوط طاقة وتفاهمات أمنية، ما يحوّل شمال البلاد إلى ساحة نفوذ خارجي متشابك، وسط صمت رسمي لا يجد له المواطن تفسيراً سوى غياب الإرادة أو تغوّل المصالح.
وفي موازاة ذلك، يوجه المعارض الكردي أوميد محمد اتهامات مباشرة لمنظومة الحكم في الإقليم، قائلاً إن مؤسسات الدولة تُدار عبر “شبكة اقتصادية مغلقة” تتحكم فيها عوائل نافذة، وتعمل خارج أي رقابة قانونية أو دستورية. وأشار إلى أن عمليات تهريب النفط مستمرة بكميات ضخمة تعبر الحدود يومياً بعيداً عن الأطر الرسمية، محرومةً خزينة الإقليم من مليارات الدولارات، في وقت يعاني فيه المواطنون من انفلات الأسعار وتأخر الرواتب وتراجع الخدمات.
ويرى محمد أن فجوة الثقة بين الشارع والمؤسسات الحاكمة بلغت مستويات خطيرة، خصوصاً بعد أحداث السليمانية الأخيرة التي اعتبرها انعكاساً مباشراً لقرارات حزبية منفردة أوصلت الإقليم إلى حالة احتقان غير مسبوقة.
ومع تزايد التمدد التركي وتفاقم الغضب الشعبي، تبدو البلاد على حافة مرحلة أكثر اضطراباً، ما لم يتحرك المستوى الاتحادي والإقليمي لكبح هذه الانهيارات. وبين سيادة منتهكة وثروات تُنهب بلا حسيب، يعيش المواطن في انتظار خطوة واحدة شجاعة تعيد توازن الدولة وتضع حداً لنفوذ الخارج وتغوّل الداخل .
![]()
