بغداد – مرة أخرى، تثبت السلطة السياسية في العراق أن رهاناتها لا تتجاوز حدود النفط الخام، في تجاهل صارخ للتحولات العالمية نحو الطاقات البديلة. فبعد تصريحات رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بأن “نفط العراق يكفي العالم 120 عاماً”، جاء إعلان رئيس مجلس ديالى، عمر الكروي، عن توقيع عقد لحفر ثمانية آبار جديدة في حقل خانة، ليعكس بوضوح ذهنية قائمة على الاستنزاف لا على التنمية.
الصفقة التي أبرمتها شركة نفط الوسط مع شركات دولية لحفر الآبار الجديدة، تُقدَّم إعلامياً على أنها إنجاز، بينما يراها خبراء دليلاً إضافياً على فساد السلطات وإصرارها على حصر الاقتصاد في برميل النفط، دون أي نية حقيقية للاستثمار في الصناعات التحويلية أو البتروكيمياويات. فالمشروع، بحسب الكروي نفسه، يظل في إطار “الدراسات المستقبلية”، وهي العبارة التي اعتاد العراقيون سماعها عقوداً دون أن تتحقق على أرض الواقع.
وزارة النفط تعلن كل عام عن حفر عشرات الآبار، مثل أكثر من 50 بئراً خلال 2024، لكن هذه الأرقام لم تُترجم إلى تنمية مستدامة، إذ لا يزال النفط يشكّل أكثر من 90% من إيرادات الموازنة. وهو ما يفضح غياب أي رؤية اقتصادية متوازنة، ويكشف أن كل زيادة في الإنتاج ليست سوى وسيلة لتضخيم الإيرادات السريعة التي تتبخر لاحقاً في مستنقع الفساد.
بينما تستثمر دول مثل النرويج فائض عائداتها في صندوق سيادي تجاوز 1.5 تريليون دولار، وتبني السعودية استراتيجيات اقتصادية متعددة ضمن “رؤية 2030″، ما زال العراق، رغم امتلاكه رابع أكبر احتياطيات نفطية في العالم، يكرر الخطأ ذاته: التوسع في الحفر دون أي تخطيط لما بعد النفط.
الخبراء يحذرون من أن هذه السياسة لا تعني فقط إفقار الأجيال القادمة عبر استنزاف الاحتياطيات، بل تعني أيضاً إبقاء الاقتصاد العراقي هشاً، رهينة لتقلبات أسعار النفط العالمية. ومع غياب الإرادة السياسية الحقيقية لمحاربة الفساد أو بناء بدائل اقتصادية، يظل كل بئر جديد شاهداً إضافياً على عجز الدولة، وانغماس سلطاتها في لعبة قصيرة الأمد قد تنتهي بكارثة طويلة الأمد .
![]()
