في مشهد يلخّص عقودًا من الإهمال وسوء الإدارة، حذّرت وزارة الموارد المائية العراقية من كارثة وشيكة، مع تراجع المخزون المائي في البلاد إلى أقل من 8 مليارات متر مكعب، وهو أدنى مستوى تسجله البلاد منذ عشرات السنين. التحذير الرسمي كشف، دون مواربة، عمق العجز الحكومي في إدارة ملف المياه وفضح هشاشة السياسات المتبعة في وجه الأزمة الأخطر التي تواجه القطاع الزراعي العراقي. وزير الموارد المائية، عون ذياب عبد الله، أعلن بصراحة أن العراق يدخل “واحداً من أصعب الأعوام المائية منذ قرن”، مع اقتراب توقف زراعة المحاصيل بالكامل بحلول أيلول المقبل، ما ينذر بانهيار سلة الغذاء العراقية وتحميل الفلاحين فاتورة فشل الدولة في صيانة أمنهم المائي. الانخفاض الحاد في مستويات المياه ناجم أساساً عن استمرار تركيا في تقليص الإطلاقات المائية من خلال سدودها العملاقة على نهري دجلة والفرات، وسط غياب أي تحرك دبلوماسي عراقي جاد يرغم أنقرة على احترام حقوق العراق المائية. ورغم حديث الوزير عن مفاوضات فنية مع الجانب التركي، فإن الأرقام على الأرض تفضح النتائج: الكميات الواردة إلى سد حديثة عبر نهر الفرات لا تتجاوز 200 م³/ثا، أي أقل من الحد الأدنى الذي تسمح به الاتفاقيات، إن وُجدت أصلاً. في المقابل، تواصل الحكومة التذرع بـ”الإدارة الكفؤة” لما تبقى من المياه، دون أن تتخذ إجراءات استراتيجية حقيقية، كتحلية المياه، أو تطوير شبكات الري، أو دعم زراعة أقل استهلاكًا للمياه. وعلى مدار السنوات الماضية، لم تُطرح سوى شعارات رنانة دون تنفيذ يُذكر، بينما يذبل الفلاحون تحت وطأة الجفاف والإهمال، وتلوح المجاعة في الأفق. ما يحدث اليوم ليس نتاج الجفاف وحده، بل نتيجة سياسات مائية عبثية، وغياب استراتيجيات وطنية، واستسلام كامل لإملاءات الجوار. عشرات المؤتمرات واللجان والمفاوضات لم تنجب حتى الآن سوى تصريحات فارغة، فيما يستعد المواطن العراقي لدفع الثمن: عطشًا، وجوعًا، وتصحّرًا لا يرحم. في دولة تُسجّل سنويًا أعلى الموازنات المالية، تبدو أزمة المياه كاشفة لعمق الفساد، وسوء الإدارة، والعجز المزمن عن حماية مقدرات البلاد. أما الحل، فلم يأتِ بعد، سوى في انتظار “أمطار تشرين”، كما لو أن مصير العراق بات رهينة للسماء لا للسياسة.
![]()
