بغداد – وسط صرخات الأمهات وأنين الجرحى، خرجت وزارة الداخلية العراقية ليل الجمعة – السبت بإعلان يبدو أقرب إلى محاولة امتصاص الغضب الشعبي، بعد أيام من كارثة الحريق المروّع الذي التهم مجمعًا تجاريًا في قلب الكوت، وخلّف عشرات القتلى والمصابين. لكن خلف هذا البيان الرسمي، تتكشف طبقات عميقة من الفشل والفساد، تُدين طيفًا سياسيًا كاملاً بات عاجزًا حتى عن تأمين شروط الحياة الآمنة لمواطنيه.
العميد مقداد ميري، رئيس دائرة العلاقات والإعلام في الداخلية، أعلن أن اللجنة التحقيقية العليا برئاسة وزارته توصلت إلى “تقصير واضح” في أداء عدد من المسؤولين المحليين، مؤكداً اتخاذ إجراءات إدارية وقانونية بحق 17 موظفًا، بينهم مسؤولون في بلدية الكوت، والسياحة، والصحة، والماء، والرقابة، بالإضافة إلى مسؤولين في شُعب التجاوزات والسلامة المهنية.
لكن هذه الخطوة التي تمثّلت بسحب يد الموظفين لم تَشفَ غضب الشارع، خاصة أن الفساد والإهمال ليسا طارئين، بل ممتدان لعقود، في ظل حكومات تتعاقب على تكديس الملفات بدل حلّها. من بين المُوقوفين أيضًا، ثلاثة ضباط كبار: مدير قسم الأمن السياحي في واسط، مدير الدفاع المدني في المحافظة، وآمر القاطع الأول للدفاع المدني في الكوت – جميعهم وُضعوا قيد التوقيف، في خطوة تُظهر أن “التحقيقات” وصلت إلى مستوى القيادة الأمنية، لكن يبقى السؤال: أين الرؤوس الكبيرة؟ وأين المساءلة الحقيقية؟
الوزارة أكدت أن التحقيقات تستند إلى المادة 331 من قانون العقوبات العراقي، وهي مادة تتحدث عن الإهمال الوظيفي، لكنها لم تتطرق إلى شُبهات الفساد والرشاوى التي لطالما أحاطت بمنح التراخيص للمشاريع التجارية، رغم افتقارها لأبسط معايير السلامة.
الحريق اندلع في مساء الأربعاء، 17 تموز/يوليو 2025، داخل مجمع تجاري مزدحم وسط الكوت. النيران التهمت المكان سريعًا، وسط فوضى وإرباك في عمليات الإخلاء، مع غياب واضح لأدنى إجراءات الطوارئ. الدفاع المدني فشل في السيطرة السريعة على الكارثة، مما ضاعف أعداد الضحايا. مشاهد الجثث المحترقة والتوابيت على قارعة الطرق فضحت مستوى الانهيار في منظومة الدولة.
ردود الفعل الغاضبة لم تتأخر؛ الأهالي خرجوا في تظاهرات حاشدة، واتهموا السلطات المحلية بالإهمال، وسخروا من “التحقيقات” التي لم تعد تقنع أحدًا. مواطنون تساءلوا: “كم كارثة نحتاج بعد لندرك أن من يحكم البلاد هم تجار مصالح لا أمناء على أرواح الناس؟”
السلطة السياسية التي تحتمي وراء لجان تحقيق شكلية، بدت عاجزة عن محاسبة نفسها، في وقت يصف فيه مراقبون ما حدث في الكوت بأنه نتاج حتمي لفساد مترسّخ وإدارة هشّة، تُراكم الفشل فوق الفشل.
ورغم تعهّد رئيس الحكومة محمد شياع السوداني بالإعلان عن نتائج التحقيق “بشفافية”، يواجه اتهامات بالتغطية على رموز السلطة المحلية، وتقديم “كبش فداء” من موظفين صغار، دون المساس بأسماء نافذة متورطة في منح التراخيص والموافقات.
إنها ليست فقط فاجعة حريق… بل فاجعة حكم، عنوانها الأبرز: حين يتحوّل الفساد من جريمة فردية إلى مؤسسة تُدار من أعلى هرم السلطة .
![]()
