بغداد – في صباح اليوم التالي لإعلان نتائج الانتخابات التشريعية العراقية، عادت الساحة السياسية لتكشف عن وجوه جديدة من الفساد والممارسات التي تقوض التمثيل الشعبي، فيما بدا البرلمان القادم نسخة موسعة من النفوذ المسلح أكثر من كونه انعكاساً لإرادة الناخبين. الغائب الأكبر كان التيار الصدري، الذي قاطع الاستحقاق تاركاً فراغاً في الشارع الشيعي، استغلته الفصائل المسلحة لتعزيز حضورها، محققة أكبر تمثيل برلماني لها منذ عام 2003، في مشهد يثير التساؤلات حول مدى استقلالية العملية السياسية في العراق.
النتائج الرسمية أظهرت أن الأذرع السياسية للفصائل المسلحة سيطرت على نحو 60-70 مقعداً من أصل 329، تتصدرها حركة الصادقون بـ28 مقعداً، تليها منظمة بدر بـ20 مقعداً، إضافة إلى قوائم أصغر تابعة لما يُعرف بـ”فصائل المقاومة”. هذا التوسع لا يعكس بالضرورة رغبة الناخبين، بل هو نتيجة تركيبة قانونية وانتخابية تسمح للقوى الكبيرة بالسيطرة، فيما تضيع أصوات المواطنين الذين يبحثون عن تمثيل حقيقي وخدمات أساسية.
غياب الصدريين والضعف التنظيمي للتيارات المدنية القريبة من حراك تشرين أدى إلى أن يصبح الناخب العراقي، خصوصاً في المناطق الشيعية، أكثر ميلاً للتصويت لمن يمتلك السلاح والنفوذ التنظيمي، كبديل عن الدولة المدنية التي فشلت في فرض سلطتها، وهو تحول يعكس تفضيل “الحماية” على الخدمات والحقوق.
المحللون السياسيون يشيرون إلى أن الفصائل المسلحة لم تعد مجرد تشكيلات هامشية، بل شبكات متجذرة في المدن والأحياء، مما يمنحها قدرة أكبر على التحكم في مؤسسات الدولة، خصوصاً في الملفات السيادية والسياسة الأمنية والسياسات الخارجية. في المقابل، أصبح رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني في موقع ضعيف أمام هذه القوى، حيث تُظهر النتائج أن حظوظه في ولاية ثانية ضعيفة، بفعل محاولاته السابقة الابتعاد عن تحالفاته التقليدية والتقرب من أطراف إقليمية ودولية أخرى.
الولايات المتحدة تراقب المشهد بعين قلق، محذرة من توسع نفوذ الفصائل المسلحة داخل الحكومة المقبلة، فيما تحاول إدارة الرئيس ترمب موازنة السماح بمشاركتها السياسية مع حصر السلاح بيد الدولة، وهو توازن صعب قد يؤدي إلى توترات مستقبلية.
في المحصلة، تعكس الانتخابات العراقية الأخيرة أزمة المؤسسات وفساد العملية السياسية، حيث يُستغل الفراغ الشعبي لصالح تحالفات مسلحة، بينما تضيع إرادة الناخبين في معادلات سياسية وانتخابية تمنح القوة للنفوذ والمال والتنظيم أكثر من أي اعتبارات ديمقراطية أو مدنية، ليبقى الشارع العراقي أمام برلمان متوسع للفصائل المسلحة وحكومة مقبلة لم تُولد بعد، في بلد ما زال يراوح بين وعود الدولة المدنية ومطامع النفوذ المسلح.
![]()
