بغداد – في استمرار يكشف عمق الفساد السياسي في العراق، عاد ملف “اتفاقية خور عبد الله” إلى الواجهة مجددًا، وسط جدل شعبي وقانوني حاد، بعد أن كشف تقرير لموقع ذا ناشيونال، الصادر بالإنجليزية من أبوظبي، عن تعقيدات الاتفاقية الموقعة بين العراق والكويت، والمتورط فيها كبار المسؤولين، في ظل اتهامات بالخيانة وبيع السيادة مقابل صفقات مشبوهة.
ففي الوقت الذي ألغت فيه المحكمة الاتحادية العليا في العراق عام 2023 قانون التصديق على الاتفاقية، باعتبارها مخالفة للدستور لعدم حصولها على أغلبية الثلثين، تعود الحكومة العراقية الحالية لمحاولة تمريرها من جديد، رغم الرفض الشعبي والاعتراضات البرلمانية، ووسط شبهة فساد تطال الموقعين عليها والمسؤولين عن الدفاع عنها.
وبينما تطالب أصوات شعبية وقانونية بإلغاء الاتفاقية نهائيًا، تحاول أطراف داخل الحكومة، بدوافع سياسية وانتخابية، ترويج الاتفاق باعتباره مجرد “تنظيم للملاحة”، رغم أن بنود الاتفاق تمنح الكويت، بحسب مختصين، سيطرة فعلية على الممر البحري الوحيد للعراق إلى الخليج، في تعدٍ واضح على حقوق البلاد الاقتصادية والسيادية.
الصحيفة نقلت عن وزير النقل الأسبق أمير عبد الجبار – أحد أبرز معارضي الاتفاقية – تحذيره من أن ما جرى في 2012-2013 كان بمثابة “كارثة جديدة”، مشيرًا إلى أن بنود الاتفاق تخفي ضمنًا ترسيماً للحدود البحرية، وتمهد لتقييد حركة السفن العراقية وفرض رسوم من الجانب الكويتي، ما يُشكل خطراً على مستقبل العراق البحري والاقتصادي.
المفارقة أن الحكومة، بدلاً من التراجع، عمدت إلى تجاهل حكم المحكمة الاتحادية، وهو ما دفع عبد الجبار إلى رفع دعوى قضائية ضد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بسبب رفضه الالتزام بقرار المحكمة ومنع إيداع نسخة الاتفاق لدى الأمم المتحدة والمنظمة البحرية الدولية.
في المقابل، تتمسك الكويت بموقفها، وتؤكد أن الاتفاقية تستند إلى القانون الدولي، وقدّمت احتجاجًا رسميًا على أي محاولة عراقية لإلغائها من طرف واحد، فيما يستمر الإعلام الرسمي العراقي في التقليل من خطورة الاتفاق، في ظل سكوت البرلمان وتقاعسه عن حماية السيادة الوطنية.
الخطير في الأمر أن بعض المسؤولين العراقيين المتورطين في المفاوضات، متهمون بتلقي رشاوى – بحسب ما أورده التقرير – رغم عدم وجود أدلة قاطعة حتى الآن، مما يزيد من الشكوك حول الدوافع الحقيقية خلف توقيع اتفاق يُفترض أنه يمس شريان العراق البحري الوحيد.
من جهة أخرى، تتسع دائرة المعارضة داخل الشارع العراقي، حيث أُطلقت حملات احتجاجية وجمع تواقيع لتقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي، في محاولة لوقف تمرير الاتفاق، وسط تجاهل تام من الطبقة السياسية التي يبدو أن مواقفها تُحدد وفق المصالح والمكاسب، لا وفق السيادة الوطنية.
ويُنظر إلى محاولات تمرير الاتفاق في هذه المرحلة باعتبارها جزءًا من “صفقات سياسية” يسعى من خلالها السوداني لتأمين دعم إقليمي يضمن له ولاية ثانية بعد انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، بحسب اتهامات المعارضة.
رغم كل ذلك، لا يزال الغموض يلف مصير الاتفاق: هل سيصادق عليه البرلمان الحالي الذي فقد ثقة الشارع؟ أم سيُرحّل إلى الدورة المقبلة بانتظار صفقة جديدة ؟
![]()
