اطرح سؤالك على ChatGPT
بغداد – مرة أخرى، تخرج وزارة الكهرباء العراقية لتبرر الانهيار المزمن في ملف الطاقة، محاولة التهرب من المسؤولية عن سنوات طويلة من الفساد وسوء الإدارة والتخبط، الذي عصف بهذا القطاع الحيوي وأثقل كاهل المواطن العراقي، الذي يدفع ثمن السياسات الفاشلة للسلطات المتعاقبة.
المتحدث باسم الوزارة، أحمد موسى، أقر اليوم السبت بتدهور غير مسبوق في ساعات تجهيز الكهرباء للمنازل في بغداد وعدة محافظات، مدعيًا أن السبب يعود إلى “تراجع كميات الغاز المستورد”، مما اضطر المحطات للعمل على وقود بديل أدى إلى تراجع قدرات الإنتاج.
هذه التصريحات لم تكن سوى غطاء لتعمية الرأي العام عن عمق الأزمة التي لم تنشأ نتيجة موجة حر عابرة أو أزمة وقود طارئة، بل هي نتاج تراكمات خطيرة من الفساد وسوء التخطيط، وغياب الإرادة الجدية لمعالجة الملف، رغم تخصيص عشرات المليارات من الدولارات منذ 2003 وحتى اليوم.
الوزارة أقرت بخسارة المنظومة الوطنية نحو 4 آلاف ميغاواط، مع تكرار الحديث عن “الطلب المرتفع” و”الحرارة العالية” وكأن العراق يكتشف صيفه لأول مرة، فيما تغيب أي محاسبة جدية عن الأموال المهدورة والمشاريع المتعثرة وعقود الغاز الفاشلة والصفقات المشبوهة التي تحوم حولها شبهات الفساد.
منذ ثلاثة عقود، يعاني العراقيون من نظام قطع مبرمج للكهرباء، رغم الميزانيات الانفجارية، ولا تزال المولدات الأهلية هي الحل الوحيد لملايين المواطنين. أما الحكومات المتعاقبة، فاكتفت بإلقاء اللوم على أطراف خارجية أو ظروف مناخية، دون أن تقدم أي بنية تحتية حقيقية قادرة على إنتاج طاقة مستقرة.
ورغم تعهدات سابقة بالاعتماد على مشاريع الربط الكهربائي مع دول الجوار، إلا أن تلك المبادرات بقيت رهينة الارتجال والتأخير، بينما تواصل بغداد اعتمادها شبه الكامل على الغاز الإيراني، الذي يتوقف تارة بفعل الأزمات السياسية، وتارة بسبب سوء إدارة العقود.
واللافت أن الحلول التي تروج لها الوزارة لم تخرج عن إطار المسكنات، حيث أعلنت في آب/أغسطس 2023 عن اتفاق مبدئي لاستيراد الغاز من تركمانستان، رغم أن العراق دولة نفطية غنية بموارد الطاقة، كان يُفترض أن تكون مصدّرة لا مستوردة، لولا السياسات الفاسدة التي أوصلت هذا الملف إلى الحضيض.
وزارة الكهرباء، التي تعاقب على قيادتها عشرات الوزراء والوكلاء والمدراء، تحولت إلى رمز للفشل الحكومي، وسط غياب أي إرادة للمحاسبة، وتواطؤ بعض الأطراف النافذة التي ترى في أزمة الكهرباء فرصة لتمويل شبكات المصالح من خلال صفقات المولدات الخاصة ووقود الطوارئ والعقود المليارية الغامضة.
ما يجري اليوم ليس أزمة طارئة، بل فضيحة وطنية ممتدة. والاعتراف الرسمي بفقدان 4 آلاف ميغاواط يجب ألا يمر مرور الكرام، بل يستدعي تحقيقًا وطنيًا شفافًا وشاملاً يطال كل من ساهم في إغراق البلاد بعتمة الفساد، ويعيد لهذا الملف السيادي ثقله الحقيقي في مشروع الدولة.
في العراق، الكهرباء لا تنقطع فقط عن البيوت، بل تنقطع معها ثقة المواطن بحكومة لا تملك سوى التبرير، فيما الفاسدون يواصلون تقاسم الكعكة على ضوء شمعة أو “سحب مولدة” .
![]()
