كركوك – في مشهد جديد من مشاهد الفوضى المالية وغياب الرقابة، كشف موظفون حكوميون في كركوك، يوم الأحد، عن تعرضهم لعمليات سرقة واحتيال إلكتروني ممنهجة عبر تطبيقات وهمية تنتحل اسم شركتي “كي كارد” و”ماستر كارد”، ما يطرح تساؤلات حادة عن دور المؤسسات الرسمية في حماية رواتب المواطنين من “النهب الإلكتروني المقنن”.
الموظف حسن خالد يروي إحدى هذه الحوادث قائلاً: “تلقيت مكالمة من شخص انتحل صفة ممثل رسمي للشركة، وطلب مني تحميل تطبيق وإدخال بيانات البطاقة. النتيجة؟ سُحب من حسابي مبلغ 600 ألف دينار دون علمي، عبر خاصية (سلفني) التي تُستخدم الآن كسلاح للقرصنة”.
قصة مشابهة يرويها الموظف جميل العبيدي، الذي خُدع أيضاً بتحميل تطبيق وهمي بعد مكالمة تهديد بوقف راتبه: “سُحب من حسابي 500 ألف دينار خلال دقائق”، مشدداً على أن “غياب الرقابة وتراخي الجهات المعنية سهّل على المحتالين التلاعب بمصدر رزق الموظفين”.
الفضيحة لا تقف عند حدود الاحتيال، بل تتفاقم مع صمت الشركتين الماليتين المعنيتين، “كي كارد” و”ماستر كارد”، اللتين لم تصدرا حتى الآن أي توضيح أو إجراء لحماية المتضررين أو منع تكرار تلك الانتهاكات المالية، وهو ما يفتح باب الشك حول وجود تواطؤ أو على الأقل تقصير جسيم في أداء واجباتها القانونية.
ويطالب الموظفون المتضررون بإلغاء نظام “السلف الإلكترونية” بالكامل، أو تجميده مؤقتاً لحين إعادة ضبط المنظومة التقنية والرقابية التي يُفترض أنها تحمي المستخدم، لا تتركه فريسة سهلة بيد عصابات رقمية تستغل الفوضى وسوء الإدارة.
فضيحة رقمية.. والدولة غائبة
الخبير الاقتصادي سمير الحسني وصف ما يحدث بأنه “انهيار أخلاقي وتقني مزدوج”، محذراً من أن “انتشار هذه السرقات لا يمس الأفراد فقط، بل يضرب الثقة العامة بالنظام المالي، ويهدد توجه العراق نحو الشمول المالي والتحول الرقمي”.
وأضاف الحسني: “السلطات تتفرج بينما بيئة الاحتيال تتوسع بسبب غياب التشريعات الرادعة، وانعدام حملات التوعية، ووجود فجوة بين المؤسسات الرسمية والواقع الإلكتروني المتطور الذي يستغله محترفو الاحتيال”.
سرقة معلنة.. أين القضاء؟
الملف بات اليوم أمام أعين السلطات الرقابية والمالية والقضائية، لكنه في الواقع ما يزال بعيداً عن أي تدخل حقيقي، ما يعزز من الشكوك حول وجود تواطؤ إداري أو فساد ممنهج يغض الطرف عن عمليات النهب الحديثة تحت عنوان “السلف”، بينما يدفع الموظف البسيط الثمن من راتبه وأمنه المالي، دون أي ضمان أو تعويض.
صمت الشركتين.. عنوان للجريمة
الصمت المطبق من شركتي “كي كارد” و”ماستر كارد” رغم تكرار الشكاوى واختراقات آلاف الحسابات، يعيد طرح سؤال مشروع: هل أصبحت هذه الشركات جزءاً من منظومة النهب؟ وهل هناك غطاء سياسي أو إداري لهذه الفوضى الإلكترونية التي تستنزف المال العام والخاص دون حسيب أو رقيب؟
في بلد تنهشه الأزمات، يبدو أن الموظف الحكومي لم يعد آمناً لا في وظيفته، ولا في حسابه البنكي، ولا حتى في جهاز هاتفه.. بينما تتفرج الدولة، وتواصل السلطات نومها العميق .
![]()
