
بقلم . د. أيهم السامرائي
تزايد التحرك الأمريكي والغربي تجاه إيران بصورة لافتة، ويبدو أن المواجهة لم تعد تقتصر على احتواء البرنامج النووي أو الضغط الاقتصادي، بل تتجه نحو إضعاف النظام الإيراني وإنهاء نفوذه الإقليمي وشبكة وكلائه في الشرق الأوسط. فإلى جانب العقوبات والحصار الاقتصادي الخانق، يتصاعد الضغط العسكري، بما في ذلك استهداف مصادر التمويل والطاقة المرتبطة بالنظام. وإذا استمر هذا التصعيد واتسع، فإن قدرة نظام الملالي على تمويل أجهزته الأمنية ووكلائه ستتعرض لضربة كبيرة. والأهم أن الحديث الغربي عن مستقبل النظام الإيراني لم يعد يدور فقط حول تغيير سلوكه، بل بدأ يتناول علناً احتمال تغييره أو إسقاطه كأحد نتائج الحرب. والتاريخ الحديث يوضح أن الأنظمة التي تفقد دعمها الخارجي وتتعرض لضغط اقتصادي وعسكري وسياسي متزامن يمكن أن تصل إلى نقطة الانهيار أسرع مما يتوقع كثيرون، وهذا ما قد يحدث في أي يوم خلال الأسابيع القادمة. وقد نُسب إلى وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قوله إن “الحكومة الإيرانية قد تسقط في وقت أقرب مما يتوقعه كثيرون”، وإنه وحلفاءه الأوروبيين يعملون على “استئصال رأس الأفعى”، مؤكداً استمرار الولايات المتحدة وحلفائها في الضغط على النظام. وهذا ما نصحنا به واشنطن منذ سنوات، حتى قبل وصول الرئيس ترامب: أن تستبدل العمائم بقيادات إيرانية وطنية ومدنية تعيد إيران إلى المجتمع الدولي، وتتعاون مع جيرانها وفق القوانين الدولية، وتنهي علاقتها بجواسيس الملالي.
أما الرئيس دونالد ترامب، فيبدو أنه أصبح أكثر تشدداً تجاه فكرة عقد اتفاق جديد مع طهران، بعد سنوات من التجارب والمفاوضات التي لم تؤدِّ، من وجهة نظره، إلى ضمانات موثوقة. فالرسالة الأمريكية واضحة: لا يمكن منح النظام الإيراني فرصة جديدة لإعادة بناء قدراته وتمويل أذرعه الإقليمية من دون ضمانات حقيقية وقابلة للتحقق. ومن هنا، فإن المعركة لم تعد مجرد خلاف بين واشنطن وطهران، بل أصبحت مواجهة على مستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة بأكملها.
وفي العراق، تظهر نتائج هذا النفوذ بصورة مباشرة في ملفات الوقود والكهرباء والخدمات والاقتصاد. فأزمة مشتقات النفط والبنزين ليست مجرد مشكلة إدارية أو نقص عابر في السوق، بل ترتبط بمنظومة واسعة من المصالح والفساد والتهريب والسلاح المنفلت التي استفادت منها قوى سياسية وميليشيات حشدية مسلحة لسنوات. ولذلك فإن معالجة الأزمة تتطلب تفكيك شبكات المصالح التي تقف خلفها، وليس الاكتفاء بإجراءات مؤقتة لمعالجة نقص الوقود الذي يُهرب عبر الحدود إلى إيران.
والأمر نفسه ينطبق على الكهرباء. فاستمرار الاعتماد على الغاز الإيراني لتشغيل جزء أساسي من منظومة إنتاج الطاقة يجعل القرار العراقي مقيداً بعوامل خارجية، وكلما تعرضت العلاقات مع إيران لأزمة انعكست آثارها على الكهرباء. لذلك فإن الحل لا يكمن في البحث عن اتفاق جديد لاستيراد الغاز فقط، وإنما في بناء استراتيجية وطنية لإنهاء الاعتماد على مصدر واحد، وتطوير الغاز العراقي واستثمار موارده، وربط مشاريع الطاقة بخطة طويلة الأمد تضمن استقلال القرار العراقي.
ولا يختلف الأمر كثيراً في الصحة والتعليم. فعندما يضطر العراقي إلى السفر للخارج بحثاً عن العلاج، أو الطالب إلى الدراسة خارج العراق بسبب ضعف الجامعات، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بنقص الأموال، بل بغياب رؤية وطنية لبناء مؤسسات عراقية قوية ومستقلة. واستمرار هذا الوضع يخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مصالح إيران التي تستقبل المرضى والطلبة العراقيين، ويُبقي العراق في حالة اعتماد دائم عليها.
ولهذا فإن على رئيس الوزراء علي الزيدي أن يتعامل مع هذه الملفات من جذورها، لا أن يكتفي بإدارة الأزمات بعد وقوعها. العراق يحتاج إلى قرار سياسي واضح باستعادة سيادته الاقتصادية والأمنية، وتنويع مصادر الطاقة، وضرب شبكات الفساد والتهريب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والقانون. فمعالجة النتائج دون الأسباب ستعيد إنتاج الأزمة نفسها.
وفي ملف آخر، تعيد الدعاوى القضائية المتعلقة بأحداث احتجاجات تشرين ٢٠١٩ قضية “الطرف الثالث” إلى الواجهة، بعد سنوات من الغموض والمماطلة. وقد بدأت عوائل ضحايا احتجاجات تشرين، بحسب ما يتم تداوله، باللجوء إلى مراكز الشرطة والمحاكم المختصة للمطالبة بفتح ملفات قضائية ومحاسبة المسؤولين عن قتل وإصابة المتظاهرين.
إن السؤال الذي تطرحه عوائل الشهداء منذ سنوات لا يزال قائماً: من هو الطرف الثالث الذي قتل أبناءنا؟ ومن أصدر الأوامر؟ ومن حرك الفصائل المسلحة ضد المتظاهرين السلميين؟ هذه الأسئلة لا يمكن أن تبقى بلا إجابة. فالدولة التي تحترم مواطنيها مطالبة بكشف الحقيقة، أياً كان اسم المسؤول أو موقعه السياسي أو الحزبي. وبعد سنوات على أحداث تشرين، فإن فتح الملفات أمام القضاء خطوة ضرورية لاستعادة ثقة المواطنين بالدولة. ودماء مئات الشهداء وآلاف الجرحى لا ينبغي أن تتحول إلى أرقام في التقارير الرسمية. والعدالة تعني تحديد المسؤوليات، وجمع الأدلة، ومحاكمة من تثبت إدانته وفق القانون، بعيداً عن الانتقام السياسي والتصفيات الحزبية.
إن العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق مصيري: فإما أن يستعيد قراره الوطني وسيادته الكاملة، ويحصر السلاح بيد الدولة، ويفتح ملفات الفساد والقتل والإرهاب أمام القضاء، أو يبقى رهينة لصراعات إقليمية تُدار على أرضه، بينما يدفع الشعب العراقي وحده ثمنها.
لقد آن الأوان لأن يكون العراق أولاً؛ لا إيران أولاً، ولا أي دولة أو مشروع أو قوة خارجية أولاً. فسيادة العراق ليست شعاراً، واستقلاله ليس بياناً سياسياً، بل قرار وطني حاسم يُترجم إلى مؤسسات قوية، وقانون نافذ، وسلاح تحت سيطرة الدولة، واقتصاد مستقل، وطاقة وطنية، وخدمات تُدار لمصلحة العراقيين وتخضع للدولة العراقية وحدها.
وعلى القوى الوطنية والمدنية أن تدرك أن النظام الإيراني يواجه نهايته، وأن انهياره سيترك خلفه فلولاً من الحرس الثوري ووكلائه وأذرعه المسلحة في المنطقة، وقد تتجه هذه العناصر إلى العراق بحثاً عن ملاذ ومركز نفوذ بديل. وإذا حدث ذلك، فقد يتحول العراق إلى ساحة جديدة للإرهاب والصراع الإقليمي، ويجد نفسه في مواجهة المجتمع الدولي والقوى التي ستسعى إلى إضعاف هذا المشروع، بما قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية وحرب أهلية تُنهك البلاد وتدمر مؤسساتها وأمنها واستقرارها.
ولهذا، فإن اللحظة لم تعد تحتمل التشتت أو الانتظار. على القوى الوطنية والمدنية أن تتوحد تحت راية واحدة وشعار واحد: العراق المدني أولاً، وأن تعمل بكل قوة على استعادة القرار الوطني، وإنهاء هيمنة السلاح المنفلت، وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي العراقية، وتأمين الحدود، ومنع أي ميليشيات أو جماعات مسلحة مرتبطة بقوى خارجية من تحويل العراق إلى ساحة لصراعات الآخرين.
إن معركة العراق اليوم ليست معركة حزب ضد حزب، ولا طائفة ضد طائفة، بل معركة دولة في مواجهة مشاريع الهيمنة. إنها معركة استعادة وطن سُلب قراره، ودولة أُضعفت مؤسساتها، وشعب آن له أن يعيش في وطن تكون فيه كرامته وسيادته وأمنه فوق كل اعتبار.
العراق أولاً، وسيادة العراق فوق الجميع.
د. أيهم السامرائي
المجلس الوطني العراقي للتغير / الحراك العراقي
١٠ / ٩ / ٢٠٢٦
![]()
