بغداد – منذ بدء تداول ما يُعرف بـ”الورقة المصرية” التي تهدف إلى منع تجدد الحرب بين لبنان والكيان المحتل، أصبح اسم العراق حاضراً في بنود تفاوضية تُناقش بين عواصم الإقليم، من بيروت إلى القاهرة والرياض، رغم أن العراق لم يكن طرفاً مباشراً في أي مفاوضات. واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل تتعلق بتعهّد مفترض بأن لا يتدخل حزب الله عسكرياً إذا تعرّض العراق أو إيران لأي ضربة إسرائيلية، الأمر الذي أثار استياء وغضباً واسعاً داخل بغداد، وفتح تساؤلات حول كيفية إدراج البلاد في معادلات لم تشارك فيها أصلاً.
تزامن ظهور هذه التسريبات مع تحركات جوية غير اعتيادية في جنوب العراق خلال اليومين الماضيين، حيث سجلت منصات متابعة الطيران عمليات تزود بالوقود لطائرات أمريكية وبريطانية، إلى جانب تحليق طائرات مجهولة يُعتقد أنها إسرائيلية قرب الحدود مع إيران. سكان ميسان أبلغوا عن أصوات عنيفة تشبه اختراق حاجز الصوت، بينما تضاربت التصريحات الرسمية بين نفي تسجيل أي نشاط وادعاء أنها “تدريبات عراقية”، في وقت تصف مصادر إيرانية المشهد بأنه “طيران أمريكي أو إسرائيلي”. هذا التزامن كشف عن ضعف وغياب دور السلطات العراقية في حماية أجواء البلاد وتأمين سيادتها، ما أثار استياء المواطنين والقيادات السياسية على حد سواء.
عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية السابق أيوب الربيعي أوضح أن العراق ليس هدفاً مباشراً للكيان المحتل، مشيراً إلى أن أي عدوان على البلاد سيشكل مخاطرة كبيرة على المصالح الأمريكية الموجودة في القواعد والمنشآت، وهو ما يجعل واشنطن أقل ميلاً للموافقة على ضرب العراق. ومع ذلك، فإن التسريبات تُظهر أن العراق يُنظر إليه كـ”ساحة محتملة للتصعيد”، دون أن يكون هناك قرار رسمي أو خطة واقعية لضرب الأراضي العراقية، وهو ما يعكس قصوراً في إدارة الملف من قبل الحكومة والسلطات الأمنية.
كما أشار الربيعي إلى أن أي استهداف محتمل للعراق سيحرك ردود فعل داخلية قد تجبر الحكومة والقوى السياسية، حتى المتحفظة منها، على اتخاذ مواقف واضحة، سواء عبر المسارات الدبلوماسية أو إعادة تعريف التحالفات العسكرية، مما يضيف طبقة جديدة من التعقيد. ومع ذلك، تبدو السلطات العراقية مكتوفة الأيدي، غير قادرة على فرض سيطرتها على أي جانب من جوانب الأزمة، تاركة البلاد معرضة للتسريبات والتحركات الجوية من دون حماية حقيقية.
التسريبات نفسها تربط بين العراق وإيران عند الحديث عن عدم تدخل حزب الله، ما يضع العراق في خانة “الأهداف المحتملة” ضمن الحسابات الإقليمية والدولية، رغم غياب أي موافقة رسمية من بغداد. هذا الواقع يُظهر إهمال السلطات العراقية وتقصيرها في إدارة العلاقات الإقليمية وحماية مصالح البلاد، إذ بقي العراق مجرد اسم في ورقة تفاوضية، بينما الجهات الخارجية تضع له سيناريوهات استباقية قد تجر البلاد إلى صراعات لا دخل لها فيها.
في الوقت ذاته، التحركات الجوية الأخيرة تضاعف القلق، مع استمرار عدم وضوح موقف الحكومة من الطائرات المجهولة أو من التدابير الأمنية اللازمة، مما يعكس فشل السلطات في حماية المجال الجوي الوطني وضمان أمن المواطنين. في مواجهة هذه الملفات، يبرز واضحاً أن العراق لم يعد طرفاً فقط في التوازن الإقليمي، بل أصبح ساحة محتملة للاستغلال في الصراعات الإقليمية، فيما يبقى الشعب والسلطات المحلية عاجزين عن حماية البلاد ومنع استغلالها في صراعات لا علاقة لها بها.
![]()
