وجّه الخبير الاقتصادي الدكتور نبيل المرسومي انتقادات لاذعة للحكومة العراقية، واصفًا تعاملها مع الملفات الاقتصادية بالحالة العاجزة التي تنذر بكوارث وشيكة، مؤكدًا أن الأرقام الرسمية التي تروج لها السلطات “إعلامية وغير واقعية”، فيما تتزايد التحديات التي تهدد مستقبل البلاد في ظل غياب الإصلاح الحقيقي.
وأوضح المرسومي، أن الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة، والتي استمرت 12 يومًا، أظهرت هشاشة بنية الاقتصاد العراقي، حيث ارتفعت كلفة تأمين ناقلات النفط بنسبة 60% والنقل البري بنسبة 195%، ما يفاقم من مخاطر الاعتماد شبه الكامل على صادرات النفط وسط اضطرابات الإقليم.
وأشار إلى أن مجرد احتمال إغلاق مضيق هرمز أو استمرار توقف خط جيهان التركي، يعني عزل العراق بالكامل عن التصدير، ما يبرز افتقار الدولة لأي بدائل حقيقية، رغم تعاقب الحكومات والوعود المتكررة.
وعن أزمة رواتب موظفي إقليم كردستان، شدد المرسومي على غياب الأسس القانونية والأخلاقية لقطع الرواتب، داعيًا إلى اتفاق عادل لإدارة الموارد النفطية، مؤكدًا أن لجوء الإقليم إلى الاقتطاع من رواتب الموظفين بنسبة 30% هو انعكاس لفشل الحكومة الاتحادية في التوصل إلى حلول مستدامة.
تعاقدات مرهقة وبيئة طاردة للاستثمار
وفي ما يخص العقود النفطية، بيّن المرسومي أن العراق يعاني من عقود تخدم الشركات الأجنبية أكثر مما تخدم الاقتصاد الوطني، منتقدًا غياب شروط ملزمة كما في التجربة الإيرانية التي تحتجز مئات الخبراء الأجانب ضمن عقود مشروطة. وأشار إلى التمييز الصارخ في الامتيازات بين العمالة الأجنبية والمحلية، وسط غياب للعدالة والمساواة.
وحمّل الحكومة مسؤولية انهيار البيئة الاستثمارية، التي وصفها بأنها “الأسوأ في المنطقة”، بسبب الفساد وغياب الأمان والإجراءات البيروقراطية المعقدة. وقال إن الحديث عن جذب استثمارات بـ90 مليار دولار لا يعدو كونه دعاية جوفاء، لا تدعمها بيانات حقيقية في ميزان المدفوعات.
مفارقة البنزين والفشل في الاكتفاء
وانتقد المرسومي الواقع المأساوي لقطاع الطاقة، قائلًا: “من المعيب أن يستورد العراق البنزين والغاز وهو ثاني أكبر منتج نفطي”، معتبرًا أن وعود الاكتفاء الذاتي لم تتجاوز حدود التصريحات الإعلامية، في ظل غياب أي خطوات تنفيذية جادة.
إصلاح مؤجل واقتصاد على حافة الانهيار
أكد المرسومي أن الاقتصاد العراقي يفتقر إلى القيادة السياسية المؤمنة بالتنمية الحقيقية، مشيرًا إلى أن 91% من الموازنة العامة لا تزال تعتمد على النفط، ما يعني استمرار الارتهان لمصدر وحيد، رغم الحديث المتكرر عن تنويع مصادر الدخل.
ودعا إلى فتح منافذ تصدير جديدة عبر الأردن وسوريا وتركيا، لتعويض الانسداد الحاصل في المسارات التقليدية، معتبرًا أن التأخير في هذا التوجه سيفاقم العجز في مواجهة الأزمات القادمة.
تراجع إيرادات النفط وتحذيرات من القادم
وأوضح أن أسعار النفط تراجعت بعد انتهاء الحرب إلى نحو 66 دولارًا للبرميل، بالكاد تكفي لتغطية الرواتب، وهو ما يكشف عمق الأزمة البنيوية في المالية العامة، مشيرًا إلى أن استمرار انخفاض الأسعار قد يهبط بالإيرادات أكثر، خصوصًا في ظل التوجهات الدولية لخفض أسعار النفط، وفتح المجال تدريجيًا أمام إيران لتصدير المزيد.
وختم المرسومي بالتحذير من أن بقاء العراق رهينة لمعادلات خارجية، في ظل العجز الحكومي عن بناء سياسة اقتصادية واضحة، سيقود إلى موجات أزمات مركبة يصعب السيطرة عليها، داعيًا إلى إصلاح جذري قبل أن يتجاوز الوضع نقطة اللاعودة.
![]()
