تدخل المواجهة الأمريكية الإيرانية مرحلة شديدة الحساسية، في ظل تعثر المفاوضات وتباعد المواقف بشأن شروط التسوية، بالتزامن مع تقارير عن تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط وتحريك حاملات طائرات وقوات إضافية إلى المنطقة. وتطرح هذه التطورات تساؤلاً جوهرياً: هل تسعى واشنطن إلى انتزاع اتفاق استراتيجي من طهران، أم أنها تستعد لمواجهة قد تتجاوز إضعاف القدرات الإيرانية إلى إسقاط النظام نفسه؟ إن الشروط المتداولة في إطار المفاوضات الأمريكية الإيرانية، إذا كانت تعكس فعلاً المطالب المطروحة، لا تمثل اتفاقاً سياسياً تقليدياً، بقدر ما تعني مطالبة إيران بالتخلي عن أهم أوراق قوتها الاستراتيجية ونفوذها الإقليمي.
وتشمل هذه المطالب تسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، البالغ نحو 440 كيلوغراماً، إلى دولة ثالثة، وإعادة فتح مضيق هرمز للملاحة الدولية، وتقديم ضمانات بعدم استهداف المصالح والقواعد الأمريكية والإسرائيلية، والامتناع عن استهداف دول الخليج، فضلاً عن الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
إن قبول طهران بهذه الشروط مجتمعة يعني عملياً التخلي عن جانب أساسي من أدوات الردع والنفوذ التي بنت عليها استراتيجيتها السياسية والعسكرية لعقود.
وهنا تكمن العقدة الأساسية: كيف يمكن للنظام الإيراني قبول اتفاق سيُفسَّر داخلياً باعتباره استسلاماً أمام الولايات المتحدة، بعد عقود من تقديم نفسه قوة إقليمية تتحدى النفوذ الأمريكي؟
من الصعب تصور قبول طهران بهذه الشروط دون محاولة تعديلها أو انتزاع تنازلات مقابلة. وفي المقابل، قد تجد واشنطن صعوبة في التراجع عنها إذا كانت تعتبرها الحد الأدنى لضمان أمن المنطقة ومنع تجدد التهديدات. وبذلك يصبح الطرفان أمام معادلة معقدة: واشنطن تريد ضمانات استراتيجية طويلة الأمد، وطهران تريد الحفاظ على النظام وأدوات بقائه ونفوذه. وبين الموقفين تضيق مساحة التسوية.
تزداد خطورة المشهد مع التقارير المتداولة عن تحركات عسكرية أمريكية واسعة نحو الشرق الأوسط، تتضمن نقل نحو 10 آلاف عسكري إضافي بحلول نهاية نوفمبر، بما قد يرفع إجمالي القوات الأمريكية في المنطقة إلى نحو 60 ألف جندي. كما تتحدث التقارير عن احتمال اجتماع ثلاث مجموعات قتالية لحاملات طائرات أمريكية في المنطقة، تشمل «جورج واشنطن» و«جورج بوش»، مع توجه «ثيودور روزفلت» إليها. ولا تقتصر دلالات هذه التحركات على حماية القوات والملاحة البحرية، بل تشمل توفير قدرات هجومية واسعة. وتشير المعلومات المتداولة إلى إعادة تزويد حاملة «جورج واشنطن» بذخائر تشمل صواريخ بعيدة المدى وقنابل خارقة للتحصينات، يمكن استخدامها ضد أهداف برية ومنشآت محصنة. وتضع هذه الاستعدادات أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عدة خيارات محتملة:
استئناف القصف الجوي والصاروخي للمنشآت النووية والصاروخية ومراكز القيادة والحرس الثوري. استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية الاستراتيجية لإضعاف قدرة إيران على مواصلة المواجهة. فرض حصار بحري للحد من صادرات النفط وحركة السفن الإيرانية. تنفيذ عمليات بحرية أو إنزال محدود للسيطرة على مواقع استراتيجية، وهو خيار يحمل مخاطر كبيرة لتوسيع الحرب. ولا يعني وجود هذه الخيارات اتخاذ قرار بتنفيذها، لكنه يعكس اتساع الأدوات العسكرية المتاحة أمام واشنطن إذا انهارت المفاوضات.
السؤال الأهم ليس حجم الضربات العسكرية أو مدتها، بل الهدف السياسي النهائي منها. فهل تريد واشنطن تدمير المنشآت النووية والصاروخية وإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، ثم العودة إلى المفاوضات بشروط أكثر تشدداً؟ أم أن الهدف قد يتطور إلى استراتيجية أوسع تستهدف منظومة القوة التي يستند إليها النظام، وصولاً إلى إسقاطه وإنهاء دوره الإقليمي؟
إن الانتقال من احتواء النظام وإضعاف قدراته إلى محاولة إسقاطه يمثل تحولاً استراتيجياً كبيراً. فإسقاط النظام لا يتحقق بمجرد تدمير المنشآت العسكرية أو استهداف القيادات، بل يتطلب تغييراً عميقاً في بنية السلطة ووجود بديل سياسي قادر على إدارة المرحلة التالية. ولهذا فإن أي حرب واسعة قد تفتح الباب أمام اضطرابات داخلية وصراع على السلطة ومستقبل الدولة الإيرانية.
لا يمكن للعراق أن يكون بعيداً عن تداعيات أي مواجهة واسعة بين واشنطن وطهران. فالوجود العسكري الأمريكي ونفوذ القوى المسلحة المرتبطة بإيران يجعلان العراق من أكثر الدول تعرضاً لتداعيات التصعيد. وقد يجد العراق نفسه أمام معادلة صعبة بين علاقاته ومصالحه مع الولايات المتحدة من جهة، والنفوذ الإيراني المتجذر في بعض مؤسساته وقواه السياسية والعسكرية من جهة أخرى. وفي حال اندلاع الحرب، قد تتحول الأراضي العراقية إلى ساحة لتبادل الضربات وتصفية الحسابات، بما يهدد أمن البلاد واقتصادها وسيادتها. ومن هنا تبرز ضرورة التمسك باستقلال القرار الوطني، وحصر السلاح بيد الدولة، ومنع تحويل العراق إلى ساحة حرب بالنيابة عن الآخرين. كما تفرض هذه التطورات على القوى الوطنية التفكير في بناء مشروع سياسي مستقل يحمي مصالح العراقيين بعيداً عن المحاور الخارجية.
إن اجتماع ثلاثة عوامل، هي تشدد المطالب الأمريكية، وصعوبة قبول طهران بتنازلات تمس جوهر مشروعها السياسي والعسكري، والتعزيزات العسكرية الأمريكية المتزايدة، يضع المفاوضات أمام اختبار بالغ الصعوبة. فإذا تمسكت واشنطن بشروطها، ورفضت طهران تقديم التنازلات، وفشلت الوساطات في إيجاد تسوية، فإن خطر العودة إلى المواجهة العسكرية سيظل قائماً. وقد لا تكون الحرب المقبلة مجرد جولة أخرى من تبادل الضربات، بل مواجهة استراتيجية لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، وتقليص النفوذ الإيراني، وربما فتح الطريق أمام تغيير النظام إذا قررت واشنطن تبني هذا الهدف.
لكن إسقاط النظام ليس نتيجة حتمية للحرب، كما أن التفوق العسكري الأمريكي لا يضمن القدرة على فرض نظام بديل أو تحقيق الاستقرار في إيران.
إننا أمام مرحلة قد لا يكون موضوعها مجرد اتفاق نووي أو رفع عقوبات، بل مستقبل النظام الإيراني وحدود النفوذ الأمريكي والإيراني وإعادة رسم الخريطة السياسية والاستراتيجية للشرق الأوسط لعقود مقبلة.
ويبقى العراق معنياً أكثر من غيره بالاستعداد لهذه المرحلة، حتى لا يكون مرة أخرى الخاسر الأكبر في صراع لم يكن قراره بيده.
د. أيهم السامرائي
المجلس الوطني العراقي للتغير / الحراك العراقي
٥ / ١١ / ٢٠٢٦
![]()
