البصرة – في خطوة أثارت موجة واسعة من الانتقادات والشكوك، أقدمت الحكومة العراقية على إحالة أضخم عقد لتحلية مياه البحر في محافظة البصرة، بقيمة تقارب 4 تريليونات دينار عراقي، إلى شركة مملوكة لرجل أعمال يواجه اتهامات بغسيل الأموال وصادر بحقه منع سفر قضائي، وسط غياب واضح للشفافية وغياب المعايير المهنية في اختيار الشركات المنفذة.
العقد، الذي يُفترض أن يعالج واحدة من أكبر الأزمات الخدمية في جنوب العراق، جاء – بحسب مراقبين – ليكشف حجم التقصير الحكومي في إدارة المشاريع الاستراتيجية، لا سيما في ظل تأكيدات أن الشركة التي أُحيل إليها المشروع تفتقر إلى الخبرة الفنية المطلوبة، في حين لم توضح الحكومة أي تفاصيل تتعلق بآلية الإحالة أو الضمانات الفنية والزمنية لتنفيذه.
تساؤلات مشروعة ومخاوف متزايدة
الجدل تصاعد بعد الكشف عن أن مالك الشركة المنفذة، الملقب بـ”حجي عباس”، هو شخصية معروفة في الأوساط الاقتصادية، لكنها محل شبهات قانونية تتعلق بتبييض الأموال والتلاعب بالعقود، وهو ما دفع العديد من النشطاء والباحثين إلى التساؤل عن الدوافع الحقيقية وراء منحه مشروعاً حيوياً بهذا الحجم.
وبينما أعلنت الحكومة أن المشروع سينجز خلال 30 شهراً، يشكك خبراء في قدرة الشركة على الالتزام بالمدة، بل ويخشون من تكرار سيناريوهات مشاريع “الفساد المؤجل” التي أهدر فيها المال العام دون إنجاز فعلي.
البصرة العطشى والوعود الحكومية المتكررة
محافظة البصرة تعاني منذ سنوات من أزمة مياه خانقة، تسببت في احتجاجات شعبية واسعة، وحالات تسمم جماعية بسبب تلوث المياه. ورغم وعود متكررة من الحكومات المتعاقبة بحل الأزمة، إلا أن الفساد والمحاصصة الحزبية في إدارة الملفات الخدمية أدى إلى تراكم الأزمات بدل حلها.
ويرى مراقبون أن إحالة عقد بهذا الحجم لشخصية غير موثوقة قانونياً هو بمثابة استهانة بمطالب البصريين وحقوقهم الأساسية، ويعكس إصراراً من السلطات على إعادة تدوير الفشل بدل محاسبته.
غياب الرقابة وتواطؤ صامت
في الوقت الذي كان من المفترض أن تكون هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية في قلب المشهد لمتابعة ملف بهذا الحجم، تشير المعطيات إلى غياب شبه تام للدور الرقابي، ما يعزز الشكوك بوجود صفقة سياسية أو مالية دفعت باتجاه تمرير العقد بعيداً عن المنافسة الشفافة أو المعايير الفنية.
ويحذّر خبراء من أن استمرار هذا النهج في إبرام العقود العملاقة سيؤدي إلى فقدان ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها، وتغذية مشاعر الإحباط واللاجدوى السياسية، خاصة في المحافظات المهمّشة مثل البصرة، التي لا تزال تنتظر أبسط مقومات الحياة الكريمة.
تحوّل مشروع تحلية مياه البصرة من بارقة أمل إلى فضيحة سياسية وإدارية جديدة، تفضح فشل الحكومة في وضع معايير مهنية لإدارة المال العام، وتكشف تغلغل النفوذ والفساد في صلب القرار التنفيذي، وسط صمت مريب من الجهات الرقابية، ما ينذر بتكرار سيناريوهات الإخفاق التي أهدرت المليارات دون أن يرتوي العراقيون من ماءٍ نظيف.
![]()
