بغداد – في مشهد يكشف عمق الانقسام وتراكم ملفات الفساد داخل الطبقة السياسية في العراق، تصاعدت في الأيام الأخيرة موجة من التسقيط السياسي وتبادل الاتهامات بين عدد من النواب والمسؤولين، في وقتٍ يرى فيه مراقبون أن العراق لن يخرج من أزماته المتفاقمة ما لم يتم اجتثاث منظومة الفساد من جذورها.
وفي تطور لافت، أصدرت محكمة جنح الرصافة حكمًا بفرض غرامة مالية على النائبة عالية نصيف جاسم في قضية تتعلق بجنحة نشر، دون أن يؤدي ذلك إلى رفع الحصانة عنها، حيث بيّن الحكم أن العقوبة لا تصل إلى مستوى يهدد عضويتها البرلمانية، ولا تؤثر على أهلية ترشحها في الانتخابات المقبلة.
وأكد مجلس النواب العراقي، في بيان رسمي، أن “الحكم الصادر بحق النائبة نصيف لا يتطلب رفع الحصانة النيابية، باعتباره من الأحكام غير السالبة للحرية، ولا ينطبق عليه شرط التأثير على المدة المتبقية من الدورة الانتخابية”. هذا التصريح أثار ردود فعل غاضبة لدى الرأي العام، حيث رأى البعض فيه محاولة لحماية المتورطين، وتكريس لثقافة الإفلات من العقاب.
وتأتي هذه القضية وسط حالة متصاعدة من تبادل الاتهامات بين مختلف الكتل السياسية، حيث يُتهم بعض النواب والمسؤولين بالتورط في ملفات فساد إداري ومالي، فيما يرد آخرون باتهامات مضادة، في مشهد وصفه مواطنون بأنه “مسرحية سياسية لا تهدف إلا لتصفية الحسابات وتضليل الشارع العراقي”.
مراقبون: العراق لن ينهض إلا بطرد الفاسدين
ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن هذه التجاذبات لا تعكس حرصاً على مكافحة الفساد، بقدر ما تفضح هشاشة العملية السياسية، مؤكدين أن محاولات الإصلاح لن تنجح ما دام المتورطون بالنهب العام يواصلون العمل من داخل المؤسسات.
وقال أحد النشطاء في حديث لمراسلنا: “الجميع متهم، ولا يكاد يخلو حزب أو كتلة من شخصيات عليه شبهات أو ملفات فساد. ما يجري من تبادل اتهامات هو نتيجة لانعدام المحاسبة الحقيقية منذ 2003، والنتيجة أن الدولة أصبحت رهينة صفقات وتقاسم نفوذ”.
ودعا آخرون إلى تفعيل القضاء بشكل أكثر استقلالية، ومنح هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية سلطات أوسع، وتشكيل لجان تحقيق دولية في بعض الملفات الكبرى التي عطّلت التنمية وساهمت في اتساع الفقر وتردي الخدمات.
في المقابل، يستمر الشارع العراقي في فقدان ثقته بالطبقة السياسية، التي يرى فيها كثيرون سبباً رئيسياً في ما يعانيه البلد من انهيار البنى التحتية، وتدهور التعليم والصحة، وتفشي البطالة.
بين أحكام قضائية لا تُنفّذ، وحصانات سياسية تحول دون المحاسبة، وتبادل علني للاتهامات بالفساد، يقف العراق على مفترق طرق، حيث لا أمل بأي إصلاح جذري أو نهضة حقيقية، كما يقول مراقبون، إلا بإبعاد الفاسدين عن القرار السياسي، ووضع آلية حقيقية للمساءلة والمحاسبة بلا استثناءات أو اعتبارات طائفية أو حزبية .

![]()
