بغداد – في مشهد يعكس التدهور الصادم في مؤسسات الصحة الحكومية، تتكرر يوميًا في المستشفيات العراقية العامة مآسي نساء حوامل فقدن أطفالهن أو تعرضن لأضرار صحية دائمة بسبب “الطلق الطويل”، الإهمال الطبي، وقلة الكوادر المؤهلة، وسط غياب كامل للرقابة والمحاسبة.
في إحدى صالات الولادة بمستشفى حكومي في بغداد، تسيطر على المكان صرخات الألم وأنين المخاض، في ظل لامبالاة من الممرضات وطبيبة واحدة مسؤولة عن العشرات من الحوامل، وهو مشهد بات معتادًا، لكنه يحمل في طياته كوارث إنسانية.
عبير، شابة فقد رضيعها بعد ولادة عسيرة، تروي كيف تُركت تعاني لأكثر من 24 ساعة دون تدخل جراحي، حتى تلوث ماء الجنين، وتسمم، واضطر للمكوث شهراً كاملاً في “الخدج”. وتقول: “لم يسمح لأحد بالبقاء معي، وكنت أستغيث وحيدة. لو كان هناك اهتمام أو أجهزة لرصد حالة الجنين، لما واجهنا هذا المصير”.
هند وسام كذلك بقيت ليومين تتألم دون متابعة، حتى خفّت حركة الجنين. وبعد فحص متأخر، تبين أنه يعاني نقصاً حاداً بالأوكسجين، واحتاج إلى عملية طارئة، لكنها جاءت بعد فوات الأوان، وأُصيب الطفل بتأخر في النمو.
أما ياسمين جواد، فقصتها كانت أكثر مأساوية، إذ انتظرت في صالة الولادة الحكومية 26 ساعة حتى أجريت لها قيصرية طارئة. لكنها فقدت طفلها بعد يومين من الولادة بسبب الاختناق. تقول: “لم أكن أعلم أنني سأفقد ابني بسبب إهمال الدولة وتقاعسها عن تجهيز صالات الولادة بأبسط الأجهزة أو الطواقم الكافية”.
فساد إداري وطبي محمي بالقانون
وتؤكد مصادر طبية أن هناك غياباً تاماً للضوابط التي تحكم وقت التدخل القيصري، وترك القرارات لمزاج الطبيبة وتجربتها، دون أجهزة لرصد نبض الجنين أو مستوى الأوكسجين، ما يعرّض الأمهات والأجنة لمضاعفات خطيرة.
وبحسب الطبيبة المتخصصة نضال الهيتي، فإن وزارة الصحة لا تتحمل أي مسؤولية عن مضاعفات الولادة، لأن الطبيبات يقدمن “أعذاراً جاهزة” للإفلات من العقاب. وتضيف: “لا توجد أجهزة تخطيط لرصد نبض الجنين، وغالباً ما تتم الولادة الطبيعية دون متابعة حقيقية، ما يهدد حياة الطفل”.
وتتابع: “اختناق الجنين بسبب ماء الرأس، أو إعطاء المغذي بشكل خاطئ، بات أعذاراً شائعة لتبرير الوفيات أو الإصابات، دون أن تتحرك الوزارة لمعاقبة المقصرين أو إصلاح النظام”.
فوضى وتقصير منهجي
في وزارة الصحة، أكد مصدر مطلع وجود إهمال واضح، مشيراً إلى أن بعض الأجنة يُختنقون بسبب تأخر التدخل أو تجاهل إعطاء الإبر الضرورية، ومع ذلك، لا تجري أي محاسبة فعلية، ما يعكس حماية غير مبررة للفساد الطبي.
هكذا يتحول الألم إلى مأساة
وتشرح الطبيبة هناء شاكر أن “المخاض الطويل” يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات مميتة، مثل العدوى الرحمية أو نزيف حاد، وقد يتسبب نقص الأوكسجين في تلف دماغ الجنين. وتؤكد أن الأطفال الذين ينجون بعد هذا النوع من الولادة يعانون غالبًا من مشاكل في النمو أو الإعاقة.
أين دور الحكومة؟
ما يحدث في صالات الولادة ليس فقط نتيجة نقص الأجهزة أو الكوادر، بل انعكاس لمنظومة فاسدة تدير قطاع الصحة بروتين متهالك، وتهمل أبسط حقوق الإنسان، وسط غياب صارخ للمحاسبة.
في ظل هذا الواقع المظلم، تتصاعد الأسئلة:
- من يحاسب من يستهتر بأرواح الأمهات وأطفالهن؟
- لماذا تُترك النساء يعانين وحدهن في غرف الولادة؟
- أين ذهبت الموازنات الضخمة التي تخصص سنويًا لقطاع الصحة؟
الفساد في قطاع الولادة ليس مجرد تقصير فردي، بل جريمة ممنهجة تدفع ثمنها أرواح العراقيين، في مشهد يفضح بوضوح فشل السلطات عن حماية حياة المواطنين داخل أكثر الأماكن حساسية: صالات الإنجاب .
![]()
