في واحدة من أخطر الكوارث البيئية التي تضرب العراق منذ عقود، كشفت صور أقمار صناعية حديثة عن مستويات غير مسبوقة من الجفاف الذي أصاب البحيرات والسدود الرئيسة في البلاد، وسط غياب أي تحرك حكومي جاد أو استراتيجية لمواجهة الأزمة.
المقارنة التي أجريت بين صور الأقمار الصناعية لشهر تموز/يوليو 2020 وتموز/يوليو 2025، أظهرت اختفاء كميات هائلة من المياه في بحيرات وسدود أساسية، مثل سد الموصل في نينوى، وسد حديثة، إضافة إلى بحيرتي الحبانية والرزازة، واللتين باتتا مشهدًا مأساويًا لأراضٍ متشققة وعطشى.
هذه التحولات الكارثية لا تعبّر فقط عن أزمة مناخية، بل عن انهيار تام في إدارة الدولة لملف المياه.
في الوقت الذي تواجه فيه دول مثل تركيا وإيران اتهامات متزايدة بالتحكم المتعمد بمياه الأنهار المشتركة، تلتزم الحكومة العراقية موقف المتفرج. لا خطط طوارئ فاعلة، لا ضغط دبلوماسي، لا مبادرات إقليمية لحماية حصة العراق المائية. أما وزارة الموارد المائية فغائبة عن المشهد، في حين لا يُسمع للبرلمان سوى صدى بيانات بروتوكولية لا تسمن ولا تغني من عطش.
الخبراء يحذرون منذ سنوات من تداعيات التغير المناخي، ولكن التحذيرات ظلت حبيسة الأدراج. والآن، العراق لا يفقد فقط مياهه، بل يفقد ريفه، أمنه الغذائي، ومستقبل أجياله. المزارع العراقية تُهجر، والقرى تتحول إلى مناطق طاردة للحياة. ما يجري ليس مجرد خلل إداري، بل فضيحة دولة، تتقاطع فيها قسوة الطبيعة مع فشل المؤسسة الرسمية. إنها جريمة إهمال موثقة بالصور، جريمة تستدعي وقفة شعبية ورقابة دولية، قبل أن يتحول العراق إلى صحراء بلا صوت، وبلا ماء.
![]()
