متابعات – في استعراض جديد يبدو أقرب إلى حملة علاقات عامة مفضوحة منه إلى خطة إنقاذ حقيقية، أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني عزمه تنفيذ 60 مدينة جديدة في عموم العراق، بحجة حل أزمة السكن، بينما لا تزال آلاف الأحياء الفقيرة في بغداد والمحافظات تغرق في الطين، بلا صرف صحي ولا شبكات ماء ولا كهرباء.
مشاريع بلا بنية.. ومدن على الورق
السوداني، الذي يقترب من نهاية ولايته، يحاول الآن التسويق لخطة لا تعدو كونها سلسلة من “المدن الوهمية” تهدف في جوهرها إلى تمرير عقود بمليارات الدنانير قبل مغادرته كرسي الحكم. ورغم ما أعلنه من إحالة 6 مدن للتنفيذ، والاستعداد للبدء بثلاث أخرى، فإن الواقع يقول إن هذه المدن لا تزال حبراً على ورق، ولم يشهد المواطن أي أثر حقيقي لها، سوى الصور والنماذج ثلاثية الأبعاد في مكاتب الدولة.
فساد العقود وتمرير الملكيات للمقربين
السوداني في تصريحاته ركز على أن من “أبرز التحديات” التي ستُواجه في تنفيذ هذه المدن هي مشاكل الملكية ونقلها للمستثمرين، وكأن الحكومة جاءت لتسهيل نهب الأراضي العامة وتحويلها إلى مشاريع تجارية بيد حيتان الاستثمار المقربين من السلطة. فبدلاً من أن تُعالج أزمة السكن ببناء وحدات فعلية للفقراء، تسعى الحكومة إلى تفريغ المدن من سكانها الأصليين، لصالح نخب مالية لا تبحث عن الإسكان بل عن الربح السريع.
أرقام وهمية وخطط بلا جدوى
الغريب في الأمر أن الحكومة لم تكشف عن مصدر تمويل هذه المدن، ولا حجم الأموال المرصودة، ولا الشركات المنفذة، ولا الجدول الزمني، ولا حتى ضمانات الإنجاز. كما لم تقدم أي دراسة علمية عن أثر هذه المشاريع على البنية التحتية القائمة، بل كل ما قدمته هو “اجتماعات” و”تصريحات” و”توجيهات”، في مشهد يتكرر منذ 2003 كلما اقتربت الانتخابات أو شعرت الطبقة الحاكمة أن غضب الشارع قد يشتعل.
السوداني يريد المدن.. والمواطن يريد الماء والكهرباء
العراقي الذي ينتظر شقة أو قطعة أرض منذ 10 سنوات، لا يبحث عن “مدينة ذكية” أو “ضاحية حديثة”، بل يريد سقفاً يؤويه، وماءً نظيفاً في أنبوب لا يصدأ، وكهرباء لا تنقطع. لكن يبدو أن السوداني، مثل سابقيه، لا يرى في هذه المطالب سوى عقبة أمام طموحات الصفقات التي تُسجل في الظل، وتُمرر في الظرف المغلق، وتُنفذ في الخارج.
مدن بلا سكان.. وموازنات بلا رقابة
مشروع المدن الستين الجديد يطرح تساؤلات خطيرة: هل نحن أمام محاولة لاستنزاف الموازنة العامة؟ هل ستُكرر مأساة بسماية، المدينة التي وُعد بها المواطنون وتحولت إلى فقاعة إسمنتية تسكنها الصفقات؟ أين الرقابة البرلمانية على هذه المشاريع؟ ولماذا لا تُعرض تفاصيل العقود على الرأي العام؟
الجواب الأقرب للواقع: لا شيء سيتحقق سوى تضخيم الموازنات، وتضخيم أرصدة المسؤولين، وتمرير زمن إضافي من الوهم الحكومي .
خطط السوداني ليست إلا محاولة يائسة لحفظ ماء وجهه قبل انتهاء فترته، عبر إغراق الدولة بعشرات المشاريع التي لا يرى منها المواطن شيئاً سوى لافتات وشعارات ومؤتمرات. في بلد تُسرق فيه ميزانية الصحة، وتُنهب فيه كهرباء الصيف، لا يتوقع أحد أن تبنى فيه مدينة… بل تُبنى فيه فقط إمبراطوريات الفساد .
![]()
