بغداد – في مشهد يكشف المستور داخل أروقة السلطات المحلية في العاصمة، فجّرت إقالة محافظ بغداد عبد المطلب العلوي، فضيحة سياسية مدوية تؤكد حجم الفساد، والتجسس، والتآمر الذي يعتمل داخل مجلس المحافظة، وسط مطالب متصاعدة بتنصيب محافظ نزيه يليق بعاصمة تختنق تحت وطأة الفشل والخدمات المنهارة.
مجلس محافظة بغداد، الذي يعيش على وقع صراعات سياسية حادة، قرر إحالة المحافظ إلى التقاعد بعد تسريبات صوتية خطيرة خرجت من داخل مكتبه، تكشف تورطه في تجاوزات أخلاقية وسياسية، وممارسات تمس هيبة الدولة، وتثير شبهات تجسس وابتزاز داخلي.
التسريبات، التي وُصفت بأنها “القشة التي قصمت ظهر البعير”، فجّرت عاصفة من الغضب داخل المجلس، ودقت ناقوس الخطر حول حجم الاختراقات والتسجيلات غير القانونية التي تجري داخل مكاتب المسؤولين، ما يُعد انتهاكًا صارخًا لحرمة الدولة، ويثير تساؤلات صادمة: من يُسجّل لمن؟ ومن يبتز من؟ ومن يتحكم فعليًا بمفاصل بغداد؟
بحسب مصادر مطلعة، فإن من قاد حملة الإطاحة بالمحافظ هم أعضاء في ائتلاف “دولة القانون” نفسه، بعد أن وُصفت التسريبات بأنها “مسيئة ومخجلة” لرموز الكتلة، ما يكشف حجم التناحر الداخلي، وعمق الانقسامات حتى داخل التكتلات السياسية الواحدة، التي لم تعد تملك الحد الأدنى من الانسجام.
وقال عضو ائتلاف دولة القانون عثمان الشيباني، بتصريح يحمل أكثر من دلالة، إن “الكتلة لم تتردد بإقالة مرشحها بمجرد أن ثبت تقصيره”، لكنه في الوقت نفسه وجّه سهام الاتهام نحو كتل سياسية أخرى وصفها بـ”المتشبثة بالسلطة ولو على حساب أرواح الناس”، في إشارة إلى محافظين آخرين يواجهون اتهامات خطيرة لكنهم لا يزالون محميين سياسياً.
فضيحة جديدة في سجل مزدحم بالإخفاقات
ويؤكد مراقبون أن هذه الإقالة ليست سوى فصل جديد من فصول التخبط والفساد الذي ينخر في مفاصل الإدارة المحلية للعاصمة، والتي تحوّلت إلى ساحة مفتوحة للصراعات الشخصية وتصفية الحسابات، على حساب الخدمات والبنى التحتية والمواطن الذي يدفع الثمن يومياً.
المحلل السياسي أحمد المياحي اعتبر أن ما جرى “ليس قراراً إدارياً عابراً، بل دليل على انفجار داخلي داخل مجلس بغداد”، لافتًا إلى أن المحافظ العلوي كان ضحية بيئة سامة ودوائر مغلقة تدار بعقلية الابتزاز والانتهازية.
وأشار المياحي إلى أن “تسريبات العلوي كشفت كيف تدار الأمور داخل العاصمة: تسجيلات خفية، صفقات، وابتزاز متبادل، وسط غياب كامل لأي رؤية خدمية أو إدارية”، مضيفًا أن ما حصل يُنذر بانفجار إداري أكبر إن لم يتم تطهير المجلس من العناصر المتنفذة التي تُفصّل قرارات الإقالة والتعيين وفق أهوائها.
بغداد بحاجة إلى رجل دولة وليس أداة حزبية
ومع غليان الشارع البغدادي من تراكم الفشل، يطالب مواطنو العاصمة بتعيين محافظ لا يخضع للمحاصصة، ولا يكون أداة بيد الكتل المتصارعة، بل شخصية مستقلة تمتلك الجرأة، والخبرة، والقدرة على انتشال بغداد من مستنقع الانهيار الإداري والخدمي.
ويرى مختصون أن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب إنهاء هيمنة الأحزاب على ملف العاصمة، وإبعاد أصحاب الولاءات الحزبية، وتكليف شخصية مهنية من خلفية هندسية أو خدمية قادرة على مواجهة الخراب الذي تراكم لسنوات.
في النهاية، لم تعد بغداد تحتمل المزيد من المحافظين الفاشلين، ولا مزيدًا من التسجيلات والتسريبات والتجسس داخل مكاتب الدولة.. العاصمة اليوم بحاجة إلى قيادة تُنقذ لا تبتز، وتبني لا تتآمر.
![]()
