بغداد – في وقت تتصاعد فيه تداعيات التغير المناخي في العراق إلى مستويات غير مسبوقة، كشف رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق، فاضل الغراوي، عن فشل الحكومات المتعاقبة في التعامل الجاد مع الأزمة، محذرًا من أن ما يحدث لم يعد أزمة بيئية فقط، بل بات تهديدًا وجوديًا للأمن الوطني واستقرار المجتمع.
وقال الغراوي، في بيان ، إن العراق دخل رسميًا دائرة الدول الأكثر هشاشة مناخيًا، حيث حل في المرتبة الخامسة عالميًا من حيث التأثر بظواهر التغير المناخي، فيما تجاوزت درجات الحرارة في محافظات الوسط والجنوب حاجز الـ50 درجة مئوية في صيفي 2023 و2024. ورغم هذا الواقع المرير، لم تبادر الحكومة بأي تحرك جاد يرقى إلى حجم الكارثة.
وأشار الغراوي إلى أن معدل ارتفاع درجات الحرارة في العراق بلغ 0.48 درجة مئوية لكل عقد، وهو ضعف المعدل العالمي، في وقت يستمر فيه تجاهل السلطات لوضع استراتيجيات فعالة، ما ينذر بكارثة دائمة.
وأضاف أن نسبة انخفاض تدفق نهري دجلة والفرات بلغت 30–40%، مما أدى إلى شح حاد في الموارد المائية وتسارع التصحر وتراجع الإنتاج الزراعي، وسط صمت رسمي وتقصير واضح في مشاريع الحصاد المائي أو الاستثمار في تقنيات الري الحديثة.
وتابع الغراوي أن القطاع الزراعي تكبّد خسائر مدمّرة، إذ شهد عام 2022 انخفاضًا في إنتاج القمح بنسبة 37% والشعير بنسبة 30%، وتراجعت الإنتاجية الكلية إلى النصف في بعض المناطق، وسط غياب أي خطط حكومية لدعم المزارعين أو تعويض المتضررين.
كما أشار إلى أن عام 2023 شهد تقليص 50% من المزارعين لمساحات الأراضي المزروعة نتيجة شح المياه، بينما أصبحت 71% من الأراضي الزراعية مهددة بالجفاف الكامل في عام 2024، مع فقدان أكثر من 100 ألف دونم من الأراضي الصالحة سنويًا، وهو ما يعكس فشل الحكومة الذريع في تنفيذ أي خطة للحد من التصحر.
الغراوي أوضح أن السياسات الحكومية العشوائية ساهمت في نزوح أكثر من 130 ألف شخص من الريف إلى المدن خلال 2022–2023، فيما أجبر 40% من المزارعين على ترك مهنتهم نهائيًا خلال 2024. وأصبحت أكثر من 80% من العوائل الريفية تعتمد على المساعدات والقروض الغذائية، في ظل غياب شبه تام لأي دعم حكومي مباشر.
كما أكد أن قطاع تربية المواشي يعيش انهيارًا حقيقيًا، خاصة الجاموس، حيث انخفض عدد رؤوسه من 150 ألفًا في 2015 إلى أقل من 65 ألفًا في 2024، نتيجة الجفاف وغياب الدعم البيطري وارتفاع أسعار الأعلاف، بينما تراجعت تربية الأبقار والأغنام بشكل لافت، مما أثّر سلبًا على سلة الغذاء الوطنية.
ولم تسلم الصحة العامة من آثار الإهمال الحكومي، إذ تسببت موجات الغبار والحرارة المرتفعة بآلاف حالات ضربات الشمس وأمراض الجهاز التنفسي. وأدخلت عاصفة ترابية واحدة فقط في عام 2022 أكثر من 5,000 شخص إلى المستشفيات خلال 48 ساعة، دون أن تحرك وزارة الصحة أو البيئة ساكنًا لمعالجة الأسباب.
وطالب الغراوي الحكومة بوقف السياسات الترقيعية، وتنفيذ حقيقي لـ”مبادرة العراق الأخضر” التي أُطلقت في الإعلام فقط، ولم يُرَ منها سوى وعود بزراعة 5 ملايين شجرة لم يتحقق منها سوى القليل. ودعا إلى إنشاء مشاريع طاقة شمسية لتوليد 1 غيغاواط من الكهرباء، وتحسين تقنيات الري، وإطلاق صناديق طوارئ زراعية تعوّض المزارعين عن خسائرهم الكارثية.
كما شدد على ضرورة التحول الفوري للطاقة المتجددة، وإعادة تأهيل الأراضي المتصحرة، وربط سياسات التغير المناخي بالخدمات والتخطيط المالي، مطالبًا الحكومة أيضًا بتفعيل التعاون الدولي لتأمين تمويل مناخي طويل الأمد.
أزمة المناخ في العراق لم تأتِ فجأة، بل كانت نتيجة مباشرة لسلسلة طويلة من الإهمال وسوء التخطيط، وفساد يضرب مفاصل الدولة البيئية والاقتصادية والزراعية، لتتحول البلاد إلى نموذج حي على كيف تُسحق الشعوب تحت وطأة الكوارث عندما تتقاعس السلطات عن أداء دورها .
![]()
