بغداد – تعيش الصناعة الوطنية في العراق أزمة هيكلية حادة، تجلت بأرقام صادمة، إذ تراجعت مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 23% قبل 2003 إلى أقل من 3% اليوم، ما يعكس انهياراً بنيوياً نتيجة الفساد الإداري، الإهمال الحكومي، وسياسات استيراد غير مدروسة.
كانت المصانع العراقية على مدى عقود ركيزة للتنمية والتشغيل، من معامل الغزل والنسيج في الحلة والموصل إلى مصانع الزجاج في الرمادي ومجمعات الأسمنت في كربلاء والسماوة وسامراء. لكن بعد عام 2003، تراجعت هذه الصناعة بشكل كارثي مع فتح الحدود أمام البضائع المستوردة بلا ضوابط، وإهمال تحديث المصانع، ما حول آلاف المعامل إلى هياكل صامتة، وخسر العراق آلاف فرص العمل وركيزة اقتصادية أساسية.
معامل الطابوق مثال صارخ على الإهمال:
عضو لجنة الخدمات النيابية، النائب باقر الساعدي، أكد أن “معامل الطابوق تعتمد تقنيات متقادمة تزيد عمرها عن قرن، ولا تلبي احتياجات السوق المحلية، فيما يُستورد الطابوق بكميات كبيرة من دول الجوار”. ويشير الساعدي إلى وجود خطط لإنشاء معامل حديثة بحلول 2026، لكن المتابعين يعتبرون هذه المشاريع “وعوداً على الورق” طالما لم يُرافقها إرادة سياسية لمحاربة الفساد وتفعيل الرقابة.
ويشهد القطاع الصناعي برمته نمطاً مماثلاً، إذ أغلق القطاع الخاص أكثر من 37 ألف مصنع منذ 2003، وتوقفت أو شبه تعطلت مصانع الزيوت النباتية والألبان، فيما تقلصت قدرة معامل الأسمنت والغزل والنسيج، لتستبدل البضائع المحلية بالمنتجات الأجنبية الرخيصة، مما يعكس ضعفاً واضحاً في إدارة الموارد الوطنية.
الفساد والإهمال يعرقلان أي نهضة:
المراقبون الاقتصاديون يرون أن غياب الرقابة، وسياسات الفساد الإداري والمالي، إضافة إلى ضعف التخطيط الاستراتيجي، كلها عوامل حالت دون عودة الصناعة الوطنية إلى مكانتها السابقة، رغم وفرة المواد الأولية والكوادر البشرية. وكل محاولات الحكومة لإعادة تشغيل المصانع أو إنشاء معامل جديدة بقيت محدودة أو على الورق فقط.
يبقى السؤال: هل تستطيع الدولة تحويل الخطط المعلنة إلى واقع ملموس، أم سيبقى العراق سوقاً مستهلكة لبضائع الدول المجاورة لعقود أخرى؟ الواقع الحالي يؤكد أن استمرار الاعتماد على الاستيراد وغياب الإصلاح الإداري يجعل أي تحسن محدوداً ومؤقتاً، ويضع الصناعة الوطنية في دائرة الخطر المستمر بسبب فساد السلطات وإهمالها المتعمد .
![]()
