بغداد – يستعد العراقيون، بعد أيام، لخوض الاستحقاق الانتخابي السادس منذ عام 2003، وسط أجواء مشحونة بالاتهامات والتشكيك في نزاهة العملية الانتخابية، بعد أن تحولت الحملات الدعائية إلى ساحة نفوذ سياسي ومالي، يتهم فيها مراقبون السلطات باستخدام موارد الدولة لخدمة أحزابها ومرشحيها.
ومن المقرر أن يبدأ الصمت الانتخابي في الساعة السابعة من صباح السبت (8 تشرين الثاني)، أي قبل يومين من انطلاق الاقتراع العام، الذي سيُجرى الثلاثاء المقبل، فيما يُسمح لعناصر القوات الأمنية والنازحين بالتصويت الخاص قبلها بيوم.
ورغم تأكيد المفوضية العليا المستقلة للانتخابات استعدادها الكامل، إلا أن أوساطاً سياسية وشعبية حذرت من تكرار سيناريوهات التزوير السابقة، ولا سيما مع شكاوى من تأخير توزيع البطاقات البايومترية وضعف آليات الرقابة على المال السياسي وشراء الأصوات.
وبحسب أرقام المفوضية، يبلغ عدد الناخبين أكثر من 21 مليون ناخب بايومتري، يتوزعون على نحو 9500 مركز اقتراع، فيما يتنافس 7744 مرشحاً على 329 مقعداً برلمانياً، من بينهم أكثر من 2200 مرشحة يتنافسن على مقاعد “الكوتا” النسائية.
لكن خلف هذه الأرقام، يرى مراقبون أن السلطة التنفيذية تهيمن على المشهد الانتخابي من خلال النفوذ المالي والإداري، في وقت تعاني فيه بعض المحافظات من نقص التمويل وتعطّل مشاريع خدمية بالتزامن مع إنفاق ضخم على الحملات الانتخابية الممولة من أحزاب نافذة.
وقال أحد المراقبين الدوليين العاملين في بغداد لـ”بغداد اليوم” – طالباً عدم الكشف عن هويته – إن “الانتخابات العراقية تجري في بيئة سياسية غير متكافئة، حيث تُستخدم أجهزة الدولة والمال العام في الدعاية لمجموعات محددة مرتبطة بالسلطة”، مؤكداً أن “ذلك يثير شكوكاً جدية حول عدالة المنافسة”.
وتعتمد الانتخابات الحالية على قانون سانت ليغو المعدل (1.7) الذي أقره البرلمان عام 2023، وهو قانون وصفته قوى سياسية ومدنية بأنه “يخدم الأحزاب الكبيرة ويقصي المستقلين”، ما اعتُبر عودة إلى احتكار السلطة القديمة بعد تجربة التصويت الفردي في انتخابات 2021 التي أفرزت وجوهاً جديدة.
الزعيم الديني والسياسي مقتدى الصدر كان قد حذر مطلع العام الحالي من “تزوير جديد قادم”، متهماً الطبقة الحاكمة بإعادة صياغة القوانين “بما يضمن استمرار الفاسدين في الحكم”، مؤكداً أن “العراق يعيش أنفاسه الأخيرة بسبب تغوّل السلطة وتسلّط السلاح والمال”.
وتبرز المخاوف أيضاً من غياب الشفافية في إدارة العملية الانتخابية، خصوصاً بعد شكاوى متكررة من مرشحين حول “تدخل مسؤولين محليين في توجيه الناخبين”، واستخدام الأجهزة الأمنية “لضبط” توجهات التصويت في بعض المناطق.
ورغم وجود أكثر من 300 مراقب دولي وألف منظمة محلية، إلا أن الثقة العامة تبقى متراجعة، وسط مؤشرات على عزوف شعبي متزايد عن المشاركة، نتيجة شعور واسع بأن “النتائج محسومة مسبقاً” لصالح القوى التي تسيطر على القرار السياسي والاقتصادي في البلاد.
ويرى محللون أن المشهد الانتخابي الحالي يكشف عن مفارقة خطيرة: حكومة تصريف أعمال تدير انتخابات شاملة، ومفوضية تُعلن الحياد في حين يُتهم بعض أعضائها بـ“التنسيق مع كتل نافذة” لضمان نتائج محددة، في وقت تتحدث فيه واشنطن والأمم المتحدة عن “ضرورة نزاهة الانتخابات لضمان الاستقرار”.
وفي ظل هذه الظروف، يتجه العراقيون إلى صناديق الاقتراع وسط توجس من أن تتحول الانتخابات من فرصة للتغيير إلى عملية لإعادة إنتاج السلطة ذاتها، فيما يحذّر خبراء من أن أي تلاعب جديد سيُفجر موجة غضب شعبي ويعمّق أزمة الثقة بين المواطنين والدولة.
![]()
