بغداد – في مشهد يعكس عمق الفوضى الإدارية والفساد السياسي المتغلغل في مفاصل الدولة، تواصل الحكومة العراقية تعطيل إرسال الجداول التفصيلية لموازنة 2025 إلى مجلس النواب، في خرق صارخ لقانون الإدارة المالية النافذ، ما تسبب بشلل واضح في الخدمات الحيوية وترك المواطنين يواجهون الأزمات بلا حماية.
وبحسب مصادر نيابية، فإن التأخير المتعمد في استكمال هذه الجداول لا يُفسّر إلا بمحاولات بعض القوى السياسية استغلال الوضع لتحقيق مصالح خاصة، بعيدًا عن أي التزام بالمصلحة العامة أو الاحتياجات الأساسية للشعب العراقي.
وفي هذا السياق، حذّر عضو اللجنة المالية النيابية، النائب حسين مؤنس، من أن “تجاوز نصف السنة المالية دون إرسال الجداول يُعد انتهاكاً فاضحاً للقانون”، كاشفاً أن “اللجنة استضافت وزيرة المالية أكثر من مرة دون الحصول على أي نتائج حاسمة، مما يكشف حجم التعطيل المتعمد واللامبالاة بأزمة تتفاقم يومًا بعد يوم”.
وأكد مؤنس أن الاستمرار في تعطيل الموازنة يُعطّل التزامات الدولة تجاه موظفيها ويهدد بتوقف رواتب وخدمات رئيسية، داعياً الحكومة إلى تحمّل مسؤولياتها وإنهاء هذه المهزلة التي تحولت إلى أداة للمناورة السياسية.
الانهيار لم يتوقف عند حدود الورق والموازنات، بل وصل إلى أرواح الناس. فقد أطلقت لجنة الصحة والبيئة النيابية تحذيرات قوية من كارثة صحية وشيكة، جراء غياب التخصيصات المالية، حيث باتت مراكز معالجة الأورام وأمراض القلب شبه متوقفة عن العمل، وسط شح في المستلزمات الحيوية وانعدام التمويل.
النائب ثناء الزجراوي، أكدت في تصريحها أن “الوضع الصحي في العراق مهدد بالانهيار الكامل”، محذّرة من أن “المستشفيات والمراكز التخصصية باتت عاجزة عن تقديم الخدمات، في ظل ضغط هائل وشح متفاقم في السيولة”، مشيرة إلى أن التأخير تجاوز مرحلة الإهمال ليصل إلى تهديد مباشر لكرامة وصحة المواطن العراقي.
هذا الجمود المالي والإداري لم يعد مجرد خلل، بل هو انعكاس لمنظومة فاسدة تتعمد خنق مؤسسات الدولة وتعطيل قوت الناس لأغراض انتخابية وتحالفات مشبوهة.
ويجد العراقيون أنفسهم اليوم أمام واقع خطير: لا صحة، لا خدمات، لا رواتب منتظمة، ولا حتى احترام للدستور أو القوانين، وكل ذلك بسبب سلطة تضع مصالحها فوق الوطن، في ظل غياب واضح للمحاسبة وتفشي سياسة الإفلات من العقاب.
إن تأخر موازنة 2025 ليس مجرد خلل إداري، بل هو جريمة سياسية مكتملة الأركان، ترتكبها جهات نافذة بحق شعب بأكمله، وتدفع البلاد نحو هاوية الانهيار الكامل ما لم يتم التدخل العاجل لكبح هذا الفساد وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة وعدالتها .
![]()
