في وقت يعاني فيه العراق من شلل اقتصادي وتضخم غير مسبوق في النفقات، أعلنت الحكومة عن حزمة “إصلاحات مالية” وُصفت على نطاق واسع بأنها مجرد محاولة لتجميل الفشل، دون أي معالجة حقيقية للفساد المستشري في مفاصل الدولة. الخطوات التي شملت فرض ضرائب على أرباح الاستثمار العقاري، وتعديل عقود جولات التراخيص النفطية، وتوحيد رواتب المديرين العامين، اعتبرها مراقبون حلولاً سطحية تُستخدم لامتصاص النقمة الشعبية، بينما تُبقي على شبكة الامتيازات والمنافع التي يتمتع بها كبار المسؤولين والمتنفذين. الخبير في الاقتصاد الدولي نوار السعدي أكد في تصريحات لوسائل إعلام أن هذه الإجراءات “تفتقر إلى أي بوصلة استراتيجية حقيقية”، مشيرًا إلى أن الحكومة تجاهلت عمداً الفجوة الفاضحة في الرواتب داخل القطاع العام، حيث تتكدس الامتيازات في جيوب قلة قليلة، بينما ترزح الأغلبية تحت ضغط الغلاء والبطالة. ووصف السعدي الإصلاحات بأنها “اجتهادات ترقيعية تحاول تغطية شلل اقتصادي واسع”، متسائلًا عن سبب استمرار تجاهل الحكومة لما أسماه “الخلل البنيوي في النظام المالي، وشح الإنفاق، وتأخر التمويل، وانكماش السوق”، وهي مؤشرات تعكس فقدان ثقة المستثمر والمواطن بمؤسسات الدولة. وتابع السعدي تحذيره من أن “الأزمة ستعود بشكل أعمق وأخطر ما لم تتم مواجهة جذور الخلل بقرارات شجاعة وإرادة سياسية حقيقية”، متهمًا دوائر النفوذ بأنها تسعى لعرقلة أي تغيير قد يمس امتيازاتها أو يكشف ملفات فسادها. وتعكس هذه الإجراءات ما بات يراه الخبراء “منهجا حكوميا في إدارة الأزمات بالمراوغة والتهدئة المؤقتة”، بدلًا من خوض معركة إصلاح حقيقية تطال كبار الفاسدين، وتعالج مصادر الاستنزاف المالي التي التهمت موارد العراق طيلة السنوات الماضية. في بلد تتجاوز نسبة اعتماده على النفط 90%، يبدو الحديث عن “الإصلاح” بلا محاربة حقيقية للفساد نوعًا من العبث السياسي. ويبقى السؤال: هل يجرؤ أحد على فتح الملفات الثقيلة؟ أم أن الإصلاح سيظل شعارًا أجوف يعلّق على أزمات تتكرر ولا تُحل.
![]()
