
بقلم: د.أيهم السامرائي
دخل الصراع الأميركي–الإيراني مرحلة جديدة تتجاوز العقوبات التقليدية إلى الخنق الاقتصادي، وتجفيف مصادر التمويل، وتشديد الرقابة على النظام المالي العراقي، والضغط لحصر السلاح بيد الدولة، بالتزامن مع تصعيد عسكري وسياسي ضد إيران. في ٢٤ آب، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عملية العزل أو الإقصاء الاقتصادي لاستهداف شبكات النفط والتمويل والوسطاء الذين يمكّنون إيران من الوصول إلى الأموال والأسواق الدولية. وخلال الأسابيع الأخيرة استهدفت واشنطن شبكات مصرفية وشركات صرافة وعملات رقمية مرتبطة بإيران، قالت إنها نقلت مئات الملايين من الدولارات عبر قنوات سرية. وأصبح العراق جزءاً رئيسياً من هذه المعركة بعد فرض عقوبات على شخصيات ومؤسسات عراقية مرتبطة بتهريب الأموال والنفط لصالح إيران والميليشيات الموالية لها. وتتجاوز المسألة العقوبات على إيران إلى سؤال أخطر: هل تستطيع بغداد منع استخدام نظامها المالي للتحايل عليها؟ فالتجارة العراقية–الإيرانية تجاوزت ١٠ مليارات دولار عام ٢٠٢٥، فيما تستخدم واشنطن نفوذها المالي للحد من تدفق الأموال إلى إيران. وإذا فشلت بغداد في ضبط المصارف والدولار والتحويلات والتهريب، فقد تمتد العقوبات إلى المؤسسات والشخصيات العراقية المتورطة.بقلم
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة العراقية عن مكافحة الفساد، تتحدث تقارير عن ضغوط سياسية لتقييد إجراءات قضائية وأمنية ضد قيادات مرتبطة بفصائل مسلحة. كما أثار إلغاء الولايات المتحدة تأشيرة وزيرة المالية العراقية السابقة طيف سامي محمد الشكرجي، بعد إدراجها على قائمة مراقبة الإرهاب التابعة للـFBI، جدلاً واسعاً، خصوصاً أنها حصلت عام ٢٠٢٢ على جائزة المرأة الدولية للشجاعة الأميركية لدورها في مكافحة الفساد وتمكين المرأة. وتكشف هذه المفارقة أزمة أعمق: كيف يقنع العراق المجتمع الدولي بمحاربة الفساد بينما تتداخل أموال الدولة والتهريب والقطاع المصرفي مع النفوذ السياسي والسلاح؟ فالفساد المرتبط بالسلاح والنفوذ الخارجي لم يعد جريمة مالية فقط، بل قضية أمن قومي وسيادة. وفي المقابل، وضعت واشنطن حصر السلاح بيد الدولة في مقدمة مطالبها، محذرة من أن استمرار نفوذ الفصائل المدعومة من إيران يقوّض سيادة العراق واستقلال قراره.
وتشير تقارير استخباراتية إلى محاولات من بعض الفصائل لتأجيل أو الالتفاف على نزع السلاح، وسط خلاف حول موعد ٣٠ أيلول، وما إذا كان موعداً لتسليم السلاح أم مرتبطاً بانتهاء مهمة التحالف الدولي. وهنا تتضح المعادلة: واشنطن تريد عراقاً يملك قرار الحرب والسلم، بينما تصر الفصائل على الاحتفاظ بقدرات عسكرية خارج السيطرة الحكومية. وقد فرضت واشنطن سابقاً عقوبات على قادة ميليشيات عراقية مرتبطة بإيران وشبكاتها المالية بسبب استهداف الأميركيين والمصالح الأميركية. وإذا لم تنفذ بغداد التزاماتها، فقد تنتقل الضغوط من التحذير السياسي إلى العقوبات المالية ثم الإجراءات الأمنية والعسكرية.
في ٢٩ آب، أبقت وزارة الخارجية الأميركية العراق عند المستوى الرابع، «لا تسافر»، وهو أعلى مستوى للتحذير، بسبب الإرهاب والخطف والنزاع المسلح والجريمة والمخاطر الصحية، إضافة إلى محدودية قدرة واشنطن على تقديم المساعدة الطارئة لمواطنيها. كما حذرت من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تطلقها جماعات مرتبطة بإيران من الأراضي العراقية. لذلك، فالتحذير ليس مجرد نصيحة للمسافرين، بل رسالة سياسية وأمنية إلى بغداد والفصائل بأن الأراضي العراقية أصبحت جزءاً من بيئة التهديد الإقليمي.
عسكرياً، عادت تقارير إلى الواجهة عن صعوبة تدمير المنشآت النووية الإيرانية المحصنة في أعماق الجبال، حتى باستخدام القنابل الأميركية الخارقة للتحصينات. وتحدثت تقارير إعلامية عن احتمال بحث خيارات نووية تكتيكية مثل B61-11، لكن لا يوجد إعلان أميركي رسمي عن قرار باستخدام سلاح نووي تكتيكي ضد إيران. ومع ذلك، فإن عودة هذا الخيار إلى النقاش تكشف خطورة المواجهة المقبلة؛ فاستخدام سلاح نووي، حتى لو وُصف بأنه تكتيكي، سيكون تحولاً تاريخياً ويحمل تداعيات بيئية وسياسية وعسكرية هائلة.
ولأن العراق يقع في قلب المواجهة، فإن تصاعد الصراع الأميركي–الإيراني سيضع الفصائل العراقية المرتبطة بإيران أمام خيار واضح: الالتزام بقرار الدولة وعدم استخدام الأراضي العراقية لمهاجمة الولايات المتحدة وحلفائها، أو الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن. وفي الحالة الثانية، سيكون من الصعب على بغداد الفصل بين الدولة والفصائل إذا استمرت الأخيرة في تنفيذ عملياتها من الأراضي العراقية. وقد شهد العراق بالفعل ضربات استهدفت فصائل موالية لإيران، فيما تواصل واشنطن الضغط لمنع استخدام الأراضي العراقية في الهجمات الإقليمية.
العقوبات على إيران، وتشديد الرقابة المالية، وملاحقة شبكات التهريب، والضغط على المصارف العراقية، والعقوبات على قادة الميليشيات، والتحذير الأميركي من السفر إلى العراق، والضغط لنزع السلاح، ليست أحداثاً منفصلة، بل أجزاء من استراتيجية واحدة. تريد واشنطن دفع إيران ثمناً اقتصادياً متزايداً، ومنع العراق من أن يكون منفذاً لهذا الخناق، وإعادة السلاح والمال والقرار إلى مؤسسات الدولة. وفي المقابل، فإن استمرار ارتباط القرار العراقي السياسي والأمني والاقتصادي بشبكات مرتبطة بإيران يضع بغداد أمام خطر التحول إلى ساحة أو هدف ثانوي للصراع. والرسالة الأهم: العراق قد لا يكون من بدأ هذه الحرب، لكنه قد يكون أول من يدفع ثمنها إذا لم يستعد قراره السيادي. فالمرحلة المقبلة ستختبر قدرة العراق على تطبيق ثلاثة مبادئ أساسية، وإلا فقد تنتقل العلاقة مع واشنطن من الضغط والتحذير إلى العقوبات والإجراءات المباشرة. وإذا نجح، فقد تتحول الأزمة إلى فرصة تاريخية لبناء دولة ذات سيادة، لا تكون ممراً لتمويل إيران ولا ساحة لحرب الآخرين، ولا دولة تتقاسم فيها السلطة أحزاب تابعة لإيران بدلاً من العراق.
المؤتمر الوطني العراقي المزمع عقده قريباً في عمّان، الأردن، تأجّل بعد تراجع حكومة الزيدي عن الوعد الذي قطعه خلال لقائه مع الرئيس ترامب، وهو تصريح يمكن الاطلاع عليه عبر الإنترنت. وقد رحّب المجلس الوطني العراقي للتغيير بعقد المؤتمر خارج العراق، وطالب بأن تكون عمّان مكاناً آمناً للقوى الوطنية العراقية، بما يتيح لها التحدث بحرية وطرح مشاريع عملية لإصلاح البلاد ووضع أسس الانتقال بالعراق إلى دولة ناجحة وقادرة على النهوض، بدلاً من استمرار صورته الدولية كدولة فاشلة.
ونعتقد أن أي مؤتمر وطني جاد يجب أن يشمل جميع القوى الوطنية العراقية المعارضة، داخل العراق وخارجه، وأن يستبعد القوى والحركات المشاركة في البرلمان، ولا سيما القوى الإسلامية المرتبطة بإيران وميليشياتها. فقد تراجع الزيدي عن التزامه بتسليم السلاح في ٩/٣٠، فيما اقتصرت إجراءات مكافحة الفساد، بحسب ما نرى، على إلقاء القبض على عدد من أضعف المتورطين، بينما بقي كبار الفاسدين وأعوان إيران وبعض أصحاب العمائم وقيادات الميليشيات خارج المحاسبة الحقيقية.
كما تخلى الزيدي عن مؤتمر كان يمكن، في تقديرنا، أن يشكل فرصة أخيرة لحل سياسي شامل، وفتح الطريق أمام الولايات المتحدة لتبنّي مشروع جاد لإعادة بناء العراق وإخراج الميليشيات منه، بعد ٢٣ عاماً على دخولها البلاد. إن العراق بحاجة اليوم إلى مؤتمر وطني مستقل يجمع القوى الوطنية القادرة على تقديم رؤية عملية لإنقاذ الدولة، وإعادة بناء مؤسساتها، وإنهاء نفوذ الميليشيات، واستعادة السيادة، ووضع العراق على طريق الدولة الناجحة والمستقرة.
د. أيهم السامرائي
**المجلس الوطني العراقي للتغير / الحراك العراقي
٣ / ٩ / ٢٠٢٦
![]()
