بغداد – بينما يتحدث المسؤولون عن “سيادة الدولة” و”احتكار السلاح”، تتكشف يوماً بعد آخر حقيقة مرّة عن دولة مزدوجة القرار، تمتلك فيها الفصائل المسلحة ترسانة غامضة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وسط صمت حكومي يثير الشبهات أكثر مما يبددها.
مصادر سياسية ودبلوماسية أكدت أن الولايات المتحدة تضغط بشدة على بغداد للسيطرة على ما تصفه بـ”الترسانة الخارجة عن القانون”، في حين تكتفي الحكومة بتصريحات فضفاضة لا تتجاوز إطار التهدئة الإعلامية.
المحلل السياسي عدنان التميمي يقول إن ما تمتلكه بعض الفصائل من منظومات تسليحية يمثل “صندوقاً أسود” لا تجرؤ الدولة على فتحه، موضحاً أن الحرب الأخيرة كشفت عن صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة بعيدة المدى، بعضها قادر على الوصول إلى عمق الكيان المحتل، وهو ما شكل صدمة لأجهزة استخباراتية ظنت أن القدرات العراقية لا تتجاوز الدفاع التقليدي.
ويضيف التميمي أن العجز الأمريكي والإسرائيلي عن تحديد مواقع التخزين وحجم الترسانة جعل من العراق “منطقة رمادية” لا أحد يعرف حدودها، مشيراً إلى أن الحكومة العراقية تتعمّد إبقاء هذا الملف غامضاً لتجنب مواجهة مباشرة مع الفصائل التي تمتلك نفوذاً داخل مؤسسات الدولة نفسها.
من جانبه، يؤكد الخبير الأمني محمد العبيدي أن “الحديث عن نزع سلاح الفصائل بات وهماً سياسياً”، فبعضها يمتلك طائرات مسيّرة دقيقة قادرة على تجاوز أنظمة الدفاع الحديثة، محذراً من أن الضغوط الأمريكية، مهما اشتدت، “لن تدفع هذه القوى إلى تسليم سلاحها، لأنها ببساطة جزء من منظومة الحكم الحالية”.
وفي تطور لافت، تداولت منصات التواصل الاجتماعي تصريحات منسوبة إلى أبو جعفر الحسيني، المتحدث باسم إحدى الكتائب، قال فيها:
“لن ننزع السلاح وهو مضبوط ولن تضبطه السياسة… لدينا صواريخ عابرة للحدود وصلت إسرائيل.”
ورغم عدم تأكيد صحة التسجيل، إلا أن مجرد انتشاره كشف هشاشة موقف الدولة، وأعاد التساؤلات حول من يملك قرار الحرب والسلم في العراق.
مصادر أمنية مطلعة أفادت بأن واشنطن أبلغت بغداد تحذيرات شديدة اللهجة، مفادها أن أي هجوم صاروخي جديد سيُقابل برد مباشر، في حين تكتفي الحكومة بالصمت، متذرعة بـ”الحوار الداخلي” و”الحكمة السياسية”، فيما يرى مراقبون أن هذا الصمت غطاء لعجز كامل عن فرض القانون.
ويشير محللون إلى أن العراق يقف اليوم عند مفترق خطير:
مسار أول يسعى لفرض سيادة الدولة ونزع سلاح الفصائل.
ومسار ثانٍ تقوده قوى متنفذة ترى في السلاح “ضمانة للنفوذ والصفقات”.
التميمي يصف المشهد بدقة قائلاً:
“العراق يعيش داخل حقل ألغام سياسي وأمني، فكل خطوة نحو الإصلاح تصطدم بجدار مصالح الفصائل التي تمسك بخيوط الدولة من الداخل.”
ومع تزايد الغموض حول حجم الترسانة ونوعها، يتخوف المجتمع الدولي من أن يتحول العراق إلى مخزن متفجر في قلب الشرق الأوسط، فيما تتواطأ السلطات بالصمت والتبرير حفاظاً على تحالفاتها السياسية.
![]()
