بغداد – تحت لافتة “التنافس الانتخابي”، يعيش العراق واحدة من أكثر المراحل عبثية وفساداً في تاريخه السياسي الحديث، حيث تحولت الحملات الانتخابية إلى مواسم إنفاق مشبوه وتجييش طائفي، وسط صمت رسمي يثير الريبة ويعكس انهيار منظومة الرقابة والمحاسبة في مؤسسات الدولة.
الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي وصف المشهد بأنه “كرنفال لحرق الأموال وشراء الولاءات”، مؤكداً أن ما يجري لا يمتّ إلى الديمقراطية بصلة، بل هو عرض مكشوف للمال السياسي والسطوة الحزبية التي تخنق الإرادة الشعبية وتحوّل صندوق الاقتراع إلى مزاد نفوذ.
وقال الهاشمي إن “المرشحين لا يتنافسون على تقديم برامج واقعية أو حلول اقتصادية، بل على حجم الأموال التي يُغدقونها على الشارع، وعلى قدرتهم في إثارة الانقسام الطائفي”، مضيفاً أن “الإنفاق السياسي تجاوز كل السقوف القانونية، دون أن تُحرّك المفوضية العليا ساكناً”.
ويضيف أن “الجهات الرقابية والقضائية تتابع هذه الخروقات من بعيد، وكأنها شريكة بالصمت أو عاجزة بالإرادة، فالقانون في العراق لا يُطبّق إلا على الضعفاء، بينما تُترك القوى الممولة والمسلّحة خارج المساءلة”.
ويحذر الهاشمي من أن هذا الانفلات الانتخابي سيترك آثاراً خطيرة على الاقتصاد والوعي السياسي معاً، موضحاً أن “المليارات التي تُضخ في السوق خلال الحملات الدعائية تُحدث تشوهاً نقدياً مؤقتاً، ترفع الأسعار وتزيد التضخم، بينما تُسحب هذه الأموال بعد الانتخابات لتُعاد إلى دوائر الفساد المغلقة”.
ويرى مراقبون أن السلطات، بدل أن تواجه هذا الانحراف، اختارت التواطؤ بالصمت، تاركة الساحة مفتوحة أمام من يملكون المال والسلاح والولاءات الخارجية، فيما غاب أي حضور فعلي للدولة أو مؤسساتها التي يُفترض أن تحمي نزاهة العملية الانتخابية.
ويقول الهاشمي إن “الانتخابات في العراق لم تعد ميداناً للتنافس على الأفكار، بل ساحة لتوزيع الأموال وشراء الذمم، في ظل جمهور أنهكه الفقر ويستسلم بسهولة لإغراء المال السياسي”، مشيراً إلى أن “الوعي الانتخابي ما زال رهينة الخطاب الطائفي الذي تصنعه الأحزاب الحاكمة نفسها”.
ويكشف تحليل المشهد أن ما يحدث ليس مجرد تجاوزات انتخابية، بل منظومة فساد محمية بغطاء ديمقراطي زائف، حيث تُدار الحملات بأموال مجهولة المصدر، وتُغسل عبر واجهات اقتصادية وإعلامية، فيما تغيب الشفافية والمحاسبة تماماً.
ويؤكد الهاشمي أن “النتيجة الحتمية لهذه الفوضى ستكون برلماناً ضعيفاً يضم نواباً وصلوا عبر المال والخداع، لا عبر الكفاءة أو البرامج”، مضيفاً أن “هكذا مجلس لن ينتج إصلاحاً، بل سيعيد تدوير الفساد داخل مؤسسات الدولة”.
ويخلص الخبير إلى أن الانتخابات تحولت من أداة للتغيير إلى آلية لتثبيت السلطة الفاسدة، وأن “الدولة، بصمتها، تمنح غطاءً قانونياً لواحد من أخطر أشكال الفساد المالي والسياسي في المنطقة”.
ويحذر في ختام حديثه من أن “استمرار هذا المسار يعني أن العراق يسير نحو تجريف شامل للوعي والمواطنة، وأن ما يُسمّى تنافساً انتخابياً لم يعد سوى واجهة لنهب منظم وشراءٍ علني للسلطة تحت سمع وبصر الدولة نفسها ” .
![]()
