بغداد – لم يعد الإعلام في العراق منبرًا للحقيقة أو وسيلة لرفع وعي الجمهور، بل تحوّل إلى سوق مفتوح للمال السياسي والطائفية، حيث تُباع وتُشترى الأصوات على شاشات تُدار من قبل متنفذين يفتقرون إلى أي خبرة مهنية، ويستخدمون الإعلام كأداة لتلميع فسادهم وتصفية خصومهم.
عدد الفضائيات المحلية الذي تجاوز المئة، مع مئات القنوات الإقليمية والدولية، جعل الرقابة شبه غائبة، فيما تستحوذ الأحزاب وأصحاب المال الأسود على الخطاب الإعلامي، فيغدو الفضاء العام مسرحًا للشتائم والتحريض بدلًا من الحوار والوعي.
الصحفي المخضرم فلاح المشعل ، شبّه منح إجازات القنوات الفضائية بمنح إجازة مستشفى لشخص لا يعرف شيئًا عن الطب، مؤكدًا أن “معظم القنوات العراقية تدار من قبل الطائفيين وأصحاب السحت الحرام، وليس من إعلاميين محترفين”.
مقترح المشعل بتشكيل لجان مهنية داخل كل قناة من ثلاثة إعلاميين ذوي خبرة لا يقل تاريخهم المهني عن عشر سنوات، يكشف حجم الانهيار المؤسسي: فالإعلام الذي يُفترض أن يكون سلطة رابعة، صار مجرد أداة بيد ممولين يكرسون خطاب الانقسام ويحوّلون الشاشات إلى منصات للابتزاز السياسي.
مختصون يرون أن غياب التشريعات الصارمة، وضعف هيئة الإعلام والاتصالات أمام نفوذ المال السياسي، جعل القنوات بيئة خصبة لتضليل الجمهور وإعادة إنتاج الفساد والطائفية. ورغم أهمية أي مقترحات للإصلاح، فإن تطبيقها على أرض الواقع يصطدم بسطوة الممولين وحماية الأحزاب.
المشهد الإعلامي في العراق إذن، لا يعكس أزمة مهنية فحسب، بل يكشف عن فساد سلطوي متجذر، حيث تُدار القنوات كجزء من منظومة المحاصصة والنهب، لتتحول منبرًا يشرعن الخراب بدلًا من أن يكون صوت الناس .
![]()
