حدث جديد استهدف ما تبقى من ناشطين من حراك تشرين في مدينة الناصرية، باعتقال أحد أبرز قياديي الحراك من دون ردود فعل قوية في الشارع، ما أثار تساؤلات عدّة عن مصير هذا الحراك الذي لم تَهدأ ساحاته الساخنة طوال خمس سنوات عاشت خلالها المدينة أجواء من الاحتجاجات المتواصلة والمطالبات بالتغيير السياسي وتحسين الخدمات وإيجاد فرص العمل.
وتدور تساؤلات حول تأثير مثل هذه الاعتقالات على الحراك الشعبي وإذا ما كانت ستُعيد الغضب إلى شارع ذي قار وأن تشهد الساحات موجات جديدة من الاحتجاجات، أو تنهي الحراك وما تبقى من غضب “تحت الرماد”.
مدينة الناصرية جنوب العراق التي تعد أبرز مركز لاحتجاجات البلاد منذ تشرين 2019، لم تغادر شوارعها التظاهرات حتى تشرين الماضي وكانت هي أولى المدن العراقية التي قامت بحرق مقار الأحزاب، ولم تعاود وجودها إلى العلن حتى اللحظة. وحيث واجهت بحراكها عمليات اعتقال بعد تفعيل أوامر القبض بحق قياداتها، بدأت في تشرين الأول 2024، وكان آخرها اعتقال أبرز شخصية بين تلك القيادات والمحرك للتظاهر، والذي كان متخفياً ومطارداً لعدة أشهر وهو (إحسان عودة عليوي الهلالي) المعروف بـ “أبو كوثر” ومولود في عام 1991، وكان ناشطاً في الاحتجاجات وعمل منذ تلك اللحطة، بحسب ما ينشر في فديوهات، “من أجل حقوق الناس وكشف الفساد المستشري في أروقة السلطة”.
آثار تعذيب على جسد والد الناشط “إحسان أبو كوثر” المعتقل في ذي قار
الناشط إحسان ابو كوثر تحول من جريح في تلك الاحتجاجات إلى صوتٍ ضد سوء إدارة الحكومة ومشاريعها، وقد تم اعتقاله بالسنوات الماضية تحديداً خلال التظاهرات في الأعوام 2019 و2020، ولكن تم الإفراج عنه وأصبح يتظاهر للمطالبة بمعالجة نقص الخدمات وسوء تنفيذ المشاريع، ثم أصبح صوته مسموعاً في قضايا مثل دعم العاطلين عن العمل وجمع التبرعات للمحتاجين، بالإضافة إلى حراكه في تأمين الأوكسجين
والمساعدات الطبية خلال جائحة كورونا.
ومع محاولاته لدعوة المواطنين إلى التظاهرات السلمية، أصبح “أبو كوثر” بمثابة محرك للاحتجاج في ذي قار، خاصة في ظل تراجع الثقة بالحكومة المحلية، إلا أن طريقه لم يكن خالياً من العراقيل، فقد تعرض لاتهامات بالابتزاز من قبل بعض الجهات المتنفذة التي اعتبرت أن نشاطه “وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية”.
وفي 8 آذار 2025، تمكنت القوات الأمنية في الناصرية من اعتقال “أبو كوثر” بناء على أكثر من خمسة أوامر قبض بحقه أحدها وفق المادة 4 إرهاب. وبعدها بأسبوعين طال الاعتقال والده أيضاً بتهمة التحريض، وهو ما وصفه زملائه بأنه استهداف سياسي مدفوع بمواقف (إحسان) المعارضة للفساد. بينما تؤكد الأجهزة الأمنية أن هذه الاعتقالات كانت وفقاً للقانون، ويرى مؤيدو “أبو كوثر” في ذلك محاولة لقمع صوت أصبح رمزاً للاحتجاج في المدينة.
“حراك تشرين رمز قوي ومصدر قلق”
الناشط حسين كريم أعرب عن قلقه إزاء التصعيد الأمني الأخير، وقال: “كان من المتوقع أن تتمتع المدينة بمزيد من الاستقرار، بدلاً من أن تشهد أحداثاً تزيد من التوتر، لافتاً إلى أن “حادثة اعتقال الناشط (إحسان الهلالي) المعروف بـ(أبو كوثر) وما تبعها من اعتقال والده ومداهمة منزله، قد أثارت غضب الشارع وزيّدت من حدّة الاحتقان بين المتظاهرين، وهذه الأوضاع قد تدفع البعض للتظاهر ضد القوات الأمنية، وهو ما يتمنى الجميع تجنبه حفاظاً على أمن المدينة واستقرارها”.
ويرى كريم في حديث لمنصة “الجبال” أن العنوان الرئيس لحراك تشرين بات بمثابة “رمز قوي” رغم الاعتقالات بحق قياداته، “فتظاهرات تشرين تشكل قلقاً لدى الفاسدين وأولئك الذين يسعون للتسلق على حساب معاناة المواطنين. وهذا الحراك لا يمكن نسيانه بسهولة، خاصة أنه شكّل منعطفاً تاريخياً في مسار السياسة العراقية منذ عام 2003، محققاً بذلك تأثيراً عميقاً لا يزال يهيمن على المشهد السياسي
![]()
