بغداد – رغم التحذيرات الطبية المتكررة من خطورة موجات الحر الشديدة التي تضرب العراق سنوياً، لا تزال السلطات الحكومية تكتفي بالإجراءات الترقيعية، ما يفاقم الأزمات الصحية ويعرض أرواح العراقيين للخطر، خاصةً الفئات الهشة كالأطفال وكبار السن والعاملين في الأماكن المكشوفة.
الطبيب العراقي علي أبو طحين حذر من التأثيرات الصحية المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن التعرض لأشعة الشمس، التي تشمل فقدان السوائل، الإجهاد الحراري، النحول، وضربات الشمس، محمّلاً الجهات المسؤولة جزءاً كبيراً من المسؤولية بسبب غياب السياسات الوقائية الفعالة وعدم توفير الحد الأدنى من البنية التحتية لمواجهة الظواهر المناخية القاسية.
وفي الوقت الذي تتفاقم فيه درجات الحرارة، حيث سجلت 11 منطقة عراقية يوم الأحد 27 تموز 2025 ضمن قائمة أعلى 15 منطقة حرارة في العالم بحسب تقرير “بلاي ويذر” العالمية، اكتفت السلطات المحلية في بعض المحافظات بتعطيل أو تقليص ساعات الدوام الرسمي، وهو ما اعتبره مراقبون دليلاً إضافياً على فشل الحكومات المحلية في التخطيط الاستباقي والاستجابة الكفوءة.
وشملت هذه الإجراءات المتأخرة محافظات البصرة، ذي قار، ميسان، واسط، الديوانية، كربلاء، بابل، صلاح الدين، ديالى والمثنى، حيث تم الاكتفاء بتعديل أو تقليص ساعات الدوام دون أي خطط طوارئ واضحة أو برامج وقائية موسعة.
وأشار الدكتور أبو طحين إلى أن العاملين في النهار، ولا سيما في قطاعات البناء والخدمات والنقل، هم الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية، داعياً إلى توفير مستلزمات الحماية الشخصية وشرب السوائل بكثرة، واللجوء إلى الأغذية الطبيعية مثل اللبن والعصائر والفواكه لتعويض الأملاح المفقودة – في ظل غياب الدعم المؤسسي والتوعوي الفاعل من وزارتي الصحة والعمل.
وفي سياق متصل، حذر أبو طحين من خطر تلف الأغذية بسبب الحرارة العالية، لا سيما خلال موسم أربعينية الإمام الحسين حيث تتكاثر مواكب توزيع الطعام، مطالباً برقابة صحية جدية تضمن سلامة الأطعمة وتمنع حالات التسمم، في ظل ضعف الرقابة الصحية الحكومية وغياب التفتيش المنهجي.
ورغم كل هذه التحذيرات والمخاطر، لم تصدر وزارة الصحة العراقية أي خطة طوارئ وطنية متكاملة، ولم تُفعّل الإجراءات الوقائية الموسمية، ما يعكس غياب الإرادة السياسية في حماية صحة المواطنين أمام الكوارث المناخية التي تتكرر سنوياً.
وفي ختام حديثه، شدد أبو طحين على أهمية “الوعي الصحي” والالتزام بالتوجيهات الطبية، لكنه لم يخفِ استياءه من الإهمال الحكومي الذي يجعل المواطن هو الوحيد الذي يدفع ثمن الفشل الإداري والفساد المتراكم، في وقت يحتاج فيه العراق إلى استراتيجية وطنية لمواجهة موجات الحر ترتكز على حماية صحة الإنسان لا مجرد تأجيل للدوام.
هكذا، يكشف مشهد العراق الصيفي مرة أخرى عن عمق أزمة الحكم والإدارة، حيث يتجلى الفساد لا فقط في العقود والموازنات، بل في إهمال الأرواح أمام حرائق الطبيعة .
![]()
