بغداد – في رسالة وُصفت بأنها محاولة للهروب من محاكم الفساد أكثر مما هي رؤية أمنية، قدّم بنيامين نتنياهو لرئيس الكيان إسحاق هرتسوغ خطاباً يتحدث فيه عن “أحداث غير عادية” ستشهدها المنطقة خلال الأشهر المقبلة، ممهداً لتبرير بقائه في الحكم وإيقاف محاكمته. الرسالة، التي تسربت تفاصيلها، لم تكن سوى غطاء سياسي لاستخدام المناخ الإقليمي كذريعة، بينما تُدار خلف الستار تفاهمات بين تل أبيب وواشنطن ودول عربية، ما يوحي برغبة في إعادة تشكيل خرائط النفوذ تحت ستار “التهديدات الأمنية”.
نتنياهو، الغارق في أزماته القضائية والاحتجاجات الداخلية، يحاول تصوير وجوده في السلطة كضرورة استراتيجية، مستنداً إلى تحالفاته القديمة مع التيار الترامبي في الولايات المتحدة. التصريحات التي خرج بها توماس براك، والمقرّب من إدارة ترامب، والتي تحدّث فيها عن “انتهاء سايكس بيكو” وأن إسرائيل لن تتوقف عن فرض أمنها خارج حدودها، جاءت لتفتح الباب أمام قراءة ترى في خطاب نتنياهو إشارات خطيرة تتجاوز فلسطين ولبنان وإيران، وتمتد إلى جغرافيا أوسع، بينها العراق.
هذه الرسائل لا تمرّ في بغداد دون قلق. فكل تحوّل إقليمي كبير خلال العقدين الماضيين كان له ثمن مباشر في العراق: عبر الوجود الأميركي، أو عبر صراع الفصائل، أو من خلال الضغوط الاقتصادية التي تُدار أحياناً كأدوات سياسية. وهنا يظهر صوت سياسي مثل عزت الشابندر ليختصر المشهد بعبارة لافتة: “ما يحدث في المنطقة هدفه الأخير هو العراق، لأنه المقصود.” وهي جملة تُستخدم لتغذية سرديات قديمة تمتد إلى مرويات دينية وتاريخية، وتُستثمر سياسياً لخلق حالة خوف جماعي تفتح الباب أمام فوضى القرار وتضليل الرأي العام.
وقد زادت حدة هذه السرديات عندما خرجت شخصيات رسمية بتصريحات غير مسؤولة، مثل ما قاله رئيس البرلمان الأسبق محمود المشهداني عن “أصل النبي” و“المعارك النهائية”، في استدعاء خطير للمخيال الديني داخل مشهد سياسي مأزوم. هذه اللغة تُستخدم في لحظات الارتباك السياسي لتبرير العجز والتهرّب من المسؤولية عبر تحميل “القدر” و“المؤامرات الخارجية” مسؤولية ما يجري في الداخل.
ولم يتوقف القلق عند الخطاب الديني. خبراء مثل جاسم الغرابي حذّروا من خطورة تصريحات نتنياهو الأخيرة، معتبرين أنها مؤشر على مرحلة توتر قد تشمل دولاً عدة، مع احتمال حدوث عمليات أمنية أو استخبارية أو حتى ضربات محدودة خارج حدود فلسطين. ووفق الغرابي، فإن تل أبيب لطالما لوّحت باستهداف فصائل مسلّحة خارج حدودها، بما في ذلك العراق، لكن هذا الخيار مرتبط بحسابات أميركية وإيرانية دقيقة.
أما واشنطن، فهي تبحث عن صيغة جديدة لإعادة ترتيب دورها في الشرق الأوسط، تُقلّص فيها حضورها العسكري وتمنح إسرائيل موقعاً محورياً ضمن شبكة تحالفات محلية. وفي هذه المعادلة يصبح العراق نقطة ارتكاز حساسة: بلد لا تريد الولايات المتحدة خسارته، ولا تستطيع تركه لطهران، ولا تستبعد تل أبيب إدخاله ضمن حسابات “التحركات الاستباقية”.
هذا كله يحدث بينما تعيش بغداد ارتباكاً في خطابها الرسمي، تحاول أن تطمئن الجميع: واشنطن بأن العراق ليس منصة لاستهداف حلفائها، وطهران بأن أراضيه لن تُستخدم ضدها، والداخل بأن الدولة ما زالت تملك السيطرة. لكن الحقيقة، كما تشير الأحداث، أن هذه “المعادلة الهشّة” تنهار مع كل تصريح إسرائيلي صاخب ومع كل صمت حكومي عراقي.
وفي قلب هذا المشهد، يتعزز الانطباع بأن السلطات العراقية، بدل أن تواجه التحديات الإقليمية بقرارات واضحة، تختبئ خلف شعارات وتبريرات، وتترك البلاد عرضة لدوامة اصطفافات خارجية، فيما يستمر الفساد والفوضى في الداخل بلا رقيب. وهكذا يتحول العراق من دولة يفترض أن تكون طرفاً فاعلاً، إلى ساحة مفتوحة لكل من يلوّح بـ“حدث غير عادي” جديد، في الوقت الذي تغيب فيه الدولة عن دورها الحقيقي في حماية السيادة وصناعة القرار.
![]()
