البصرة – رغم انتعاش الأسواق العالمية للنفط وارتفاع أسعار خام برنت والخام الأمريكي، سجّل نفط البصرة – بنوعيه الثقيل والمتوسط – انخفاضًا لافتًا في أسعاره يوم الخميس، بواقع 70 سنتًا لكل منهما، ليصل إلى 65.59 دولارًا للثقيل و68.64 دولارًا للمتوسط. هذه المفارقة تطرح أكثر من علامة استفهام حول سياسات التصدير والتسعير والإدارة النفطية في العراق، وبالأخص في ظل سلطة يشوبها الفساد وعدم الشفافية.
الأسباب الظاهرة… والواقع المخفي
من الناحية التقنية، يفترض أن تستفيد أسعار نفط البصرة من التحسن العالمي، خاصة مع تراجع المخزون الأمريكي – ما يشير إلى زيادة الطلب. لكن على العكس، تراجعت الأسعار العراقية، وهو ما يسلط الضوء على جملة من العوامل المرتبطة بسوء الإدارة وغياب الرقابة:
سوء التسويق النفطي وتخفيضات غير مبررة
انخفاض سعر خام البصرة رغم تحسّن السوق قد يكون نتيجة لجوء شركة تسويق النفط (سومو) إلى تقديم خصومات مفرطة للمشترين لأسباب سياسية أو لتمرير صفقات تحت الطاولة، وهو أمر تكرر في الماضي تحت غطاء “المنافسة”.
بيع النفط بطرق غير شفافة
تُثار شبهات حول بيع كميات من النفط العراقي بأسعار أقل من السوق عبر وسطاء تابعين لأحزاب وجهات نافذة، بهدف تقاسم العمولات. غياب تدقيق علني في عقود البيع يسمح بتمرير هذا النوع من الفساد.
استنزاف الحقول وسوء الإدارة الفنية
انخفاض الجودة أو زيادة كلفة الاستخراج نتيجة إهمال الصيانة أو إدارة الحقول بشكل غير احترافي قد ينعكس على الطلب العالمي على خام البصرة، مما يضطر العراق لتخفيض السعر من أجل تصريف إنتاجه.
تضارب بين المصالح السياسية والإدارية
القطاع النفطي العراقي لا يخضع لسياسات وطنية واضحة، بل يتم توجيهه بحسب تحالفات ومصالح سياسية داخلية وخارجية، ما يجعل قرارات التسعير والبيع عرضة للنفوذ الحزبي، وليس المصلحة الوطنية.
نتيجة طبيعية لفساد ممنهج
الانخفاض في سعر نفط البصرة رغم ارتفاع السوق العالمي ليس خللًا تقنيًا، بل نتاج طبيعي لمنظومة فاسدة تفتقر إلى الشفافية والمساءلة. إن عائدات النفط التي تمثل أكثر من 90% من دخل الدولة العراقية يتم العبث بها من خلال:
بيع خامات العراق بسعر أقل من السوق الحقيقي
تمرير صفقات خارج الأطر الرسمية
تحويل الإيرادات نحو مصالح فئوية بدلًا من استثمارها في تطوير الاقتصاد أو تحسين الخدمات
النفط يُنهب بهدوء
ما يجري ليس مجرد تقلب في الأسعار، بل مؤشر صارخ على استمرار الفساد في أهم مورد اقتصادي للعراق. وبينما ترتفع الأسعار عالمياً ويحقق المنتجون أرباحاً، يبقى العراق أسير شبكة من الفساد السياسي، تدير النفط وكأنه “غنيمة”، لا ثروة وطنية.
ما لم يتم إخضاع العقود النفطية للتدقيق والمساءلة، فإن المواطن العراقي سيبقى الخاسر الأكبر، مهما ارتفعت أسعار النفط.
![]()
