بغداد – مرّت المهلة التي أعلنتها الحكومة للكشف عن نتائج التحقيق في قصف حقل كورمور، من دون أن يصدر أي بيان أو توضيح يكشف ما جرى أو يحدد هوية الجهة التي تقف خلف الهجوم. ورغم تعهد لجنة التحقيق بتقديم تقريرها خلال 72 ساعة، عاد المشهد إلى الصمت ذاته الذي يرافق كل حادثة استهداف لموقع يُفترض أنه محمي وتحت مراقبة الدولة.
الباحث في الشأن السياسي والأمني ياسين عزيز أكد أن الانتظار لم يكن يحمل أي أمل حقيقي بصدور نتائج واضحة، لأن لجان التحقيق في العراق ـ كما قال ـ غالباً ما تُشكَّل لاستكمال “إجراءات شكلية”، ثم تُدفن قبل الاقتراب من أي حقيقة. وأشار إلى أن الهجوم الأخير لا يختلف عن سلسلة الهجمات التي طالت الحقل منذ أعوام، إذ تم باستخدام السلاح نفسه وفي بيئة سبق للحكومة أن تحدثت عن امتلاكها معلومات تقنية متقدمة حول طبيعة المسيرات ومساراتها، ومع ذلك لم تخرج أي لجنة سابقة بنتيجة تُذكر.
حقل كورمور، الذي تعرّض لسلسلة هجمات منذ 2022، لم يشهد حتى اليوم إعلاناً واحداً لنتائج تحقيق نهائي. وفي كل مرة يُكتفى ببيان مقتضب يتحدث عن “فتح تحقيق”، ثم يتبخر الملف تماماً، حتى في الحالات التي تسببت بأضرار مؤكدة في البنية التحتية. لم تظهر رواية رسمية واحدة توضّح مصدر الخطر أو الجهة القادرة على الوصول إلى منشأة بهذه الحساسية.
هذا التأخير لا يمكن فصله عن نمط أوسع تشهده الساحة العراقية، حيث بقيت عشرات الاغتيالات والهجمات ضد ناشطين وصحفيين ومسؤولين بلا نتائج. ويشير ملف اغتيال صفاء المشهداني مثالاً صارخاً على منهجية “فتح الملفات ثم تركها معلّقة”، في سياق يعكس عجز الدولة عن تجاوز الضغوط السياسية أو كسر نفوذ القوى الخارجة عن سلطة المؤسسات الرسمية.
بيئة ما بعد 2003، وفق منظمات دولية ومحلية، أصبحت بيئة عالية لمعدلات الإفلات من العقاب، إذ تتعطل التحقيقات عند المراحل الأولى قبل الوصول إلى المتورطين، فيما يتراجع حضور القانون لصالح نفوذ الأطراف المسلحة والمصالح السياسية، ما يجعل المواطن فاقداً للثقة بأي مسار عدالة حقيقي.
ملف كورمور اليوم يتحرك ضمن هذه المعادلة. فالحقل يعدّ جزءاً رئيسياً من منظومة الطاقة في العراق، واستهدافه يهدد إمدادات الغاز وخطط الاستثمار في الإقليم. ومع كل هجوم جديد تتآكل قدرة الدولة على طمأنة الشركات، وتزداد المخاوف من استمرار الضربات في ظل غياب أي نتائج للتحقيقات السابقة، الأمر الذي ينعكس سلباً على صورة العراق في الأسواق الدولية ويضعف موقعه في المفاوضات الاقتصادية.
كما يضع الغموض المتكرر الحكومة الاتحادية في موقف ضعيف أمام إقليم كوردستان، إذ إن عدم تحديد الجهة المنفذة يخلق فجوة في الثقة ويثير التساؤلات بشأن قدرة بغداد على حماية المشاريع الاستراتيجية. فالهجمات المتكررة من دون نتائج تُضعف أي حديث عن تعاون أمني فعّال في المناطق التي تضم منشآت الطاقة.
التحقيقات التي تُفتح ثم تُهمل لا تخلق فقط فراغاً أمنياً، بل تُنتج ارتباكاً سياسياً يعرقل اتخاذ موقف موحد تجاه الجهات التي تمتلك القدرة على تنفيذ هجمات مماثلة، وتؤجل الحسم في ملف السلاح خارج الدولة. هذا التراخي يعمّق فجوة الثقة بين المواطن والسلطة، ويجعل كل حادث جديد قابلاً لإعادة إنتاج القلق ذاته.
إن استمرار الغموض في ملف كورمور لا يتعلق بحادثة واحدة، بل بمنظومة أمنية وسياسية تعجز عن الوصول إلى الجناة. وحين تعجز الحكومة عن إعلان نتيجة واضحة، فهذا يعني أن الفجوة أعمق من بيان متعجل، وأن المشكلة تتعلق بغياب القدرة الفعلية على فرض القانون. وهنا يبقى السؤال معلقاً: هل ستتمكن الدولة أخيراً من كشف الحقيقة، أم سيُضاف كورمور إلى القائمة الطويلة من ملفات “الضجيج بلا نتائج”؟
![]()
