بغداد – في بلد يعاني من تراجع حاد في الخدمات الأساسية وتضخم الدين العام، تكشف الأرقام الرسمية عن كارثة مالية مستمرة عنوانها: برلمان يتقاضى أكثر مما يُشَرِّع. فبمعدل إنفاق سنوي يصل إلى أكثر من 426 مليار دينار عراقي، يتقاضى 329 نائبًا امتيازات ضخمة مقابل حضور تشريعي هزيل وجلسات غالبًا ما تُلغى أو تُعطّل بسبب خلافات سياسية.
وكشف أن كل نائب يتقاضى خلال الدورة النيابية الممتدة لأربع سنوات ما يقارب 1.296 مليار دينار بين رواتب ومخصصات حماية وبدل إيجار، فيما لا تقدم المؤسسة التشريعية في المقابل إلا إنتاجًا قانونيًا هزيلًا، بل وتُدار داخليًا بمنطق المماطلة والفراغ السياسي.
ورغم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، لم تجرؤ السلطات على تقليص تلك الامتيازات أو مراجعة آليات الصرف، بل سمحت باستمرار نموذج الفساد المقنن، حيث لا رقابة فعلية على النفقات، ولا محاسبة لمن يتهرب من الجلسات أو يسيء استخدام مخصصات الدولة.
ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن يعقد البرلمان 256 جلسة سنويًا، لم يُسجل منذ بداية دورته في 2022 وحتى ربيع 2025 سوى 132 جلسة فقط، بعضها انتهى بمشادات سياسية أو فشل في تحقيق النصاب، فيما ظلت ملفات مصيرية مثل قانون النفط والغاز، والمحكمة الاتحادية، معطلة بلا حسم.
الأدهى من ذلك أن النفقات لا تتوقف عند الرواتب، بل تشمل أيضًا مخصصات حماية تصل إلى 16 مليون دينار شهريًا لكل نائب، يُفترض أنها تُنفق على حراس شخصيين. لكن شهادات من نواب حاليين وسابقين أكدت أن كثيرًا من هؤلاء النواب يحتفظون بسائق أو مرافق واحد فقط، ويحوّلون المبالغ المتبقية إلى مصاريف خاصة أو نفقات غير مبررة، وسط غياب شبه تام لأي رقابة إدارية أو مالية.
ويأتي هذا الهدر المالي في وقت تُعاني فيه قطاعات الصحة والتعليم والخدمات من نقص حاد في التمويل، فيما تؤكد بيانات حكومية أن أكثر من 10 ملايين عراقي يعيشون تحت خط الفقر، ويُكافح الملايين للحصول على مياه نظيفة أو كهرباء مستقرة.
ورغم محاولة المحكمة الاتحادية عام 2018 إصدار قرار بتخفيض الرواتب، إلا أن التنفيذ ظل شكليًا، وتم استثناء حاملي الشهادات العليا، ما أفقد القرار جدواه الفعلية على الموازنة العامة. الأسوأ أن البرلمان، المعني بتعديل هذه الامتيازات، هو نفسه المستفيد منها، ما خلق حلقة مفرغة من تضارب المصالح واستمرار الفساد الهيكلي.
الخبير القانوني علاء شون وصف الوضع بقوله: “نحن أمام مؤسسة تصنع قواعدها، وتُشرعن امتيازاتها باسم القانون”، مضيفًا أن استمرار هذا الوضع يُفرغ أي مطالب إصلاح من مضمونها، ويؤكد أن الفساد أصبح مكوّناً جوهرياً في بنية المؤسسة التشريعية.
وتستند تلك الامتيازات إلى قوانين مثل قانون مجلس النواب رقم 13 لعام 2018، وقانون الرواتب والمخصصات رقم 28 لعام 2011، اللذَين يمنحان النواب مرتبة وزير من حيث الرواتب والامتيازات. وبما أن تعديل هذه القوانين يمرّ بالبرلمان ذاته، فإن تغيير الواقع بات أشبه بالمستحيل.
في خضم هذا الانفلات المالي، يبدو أن البرلمان تحوّل من سلطة رقابية وتشريعية إلى عبء اقتصادي ومؤسسة مشلولة سياسيًا، تحمي مصالحها بدلًا من أن تمثل الشعب. وبينما تُصمّ الآذان عن كل محاولات المحاسبة، يستمر النهب القانوني تحت قبة البرلمان، في واحدة من أكثر صور الفساد وضوحًا واستهتارًا بالمصلحة العامة في العراق .
![]()
