بغداد – في وقتٍ يعيش فيه العراق واحدةً من أسوأ موجات الجفاف في تاريخه الحديث، كشف مرصد العراق الأخضر عن رفض تركيا إطلاق المياه في نهري دجلة والفرات رغم الاتفاق الذي وُقّع مؤخرًا بين بغداد وأنقرة، في خطوة تكشف عجز السلطة عن حماية سيادة البلاد المائية، وتُظهر هشاشة التفاهمات التي وُصفت قبل أيام فقط بـ”الإنجاز التاريخي”.
المرصد أوضح أن أنقرة برّرت موقفها بعدم وضوح الاتفاق، مؤكدة أنها لن تُفرج عن أي كمية من المياه قبل أن يلتزم العراق بتنفيذ بنود الاتفاق الغامض الذي لم يُكشف عن تفاصيله للرأي العام، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الحكومة قد وقّعت على وثيقة مجحفة تُلزم العراق بالتنازلات دون ضمانات حقيقية.
وبينما تجف الأنهار وتتعفن مياه الشرب، تغيب الحلول الجدية وتستمر التصريحات الرسمية في دائرة المجاملات السياسية. المرصد حذّر من أن استمرار الجفاف وتراجع الأمطار قد يؤدي إلى كارثة إنسانية خلال أيام قليلة، بعد أن انخفضت مناسيب المياه إلى مستويات تهدد حياة الملايين من العراقيين الذين يعتمدون على دجلة والفرات للشرب والزراعة.
ويرى مراقبون أن تركيا تستخدم المياه كورقة ضغط سياسي واقتصادي لإجبار بغداد على القبول بشروطها، في حين تُصرّ الحكومة العراقية على تسويق اتفاقات شكلية تُبرم في العواصم وتنهار عند أول اختبار.
المفارقة أن هذه الأزمة تأتي بعد توقيع وزير الخارجية فؤاد حسين مع نظيره التركي هاكان فيدان اتفاقية تعاون مائي جديدة، واصفًا إياها بأنها “الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات الثنائية”، فيما الواقع يؤكد أن النتيجة الأولى لهذا الاتفاق كانت مزيدًا من العطش والجفاف.
اليوم، ومع تفاقم الأزمة البيئية التي جعلت العراق من بين أكثر خمس دول تضررًا من التغير المناخي في العالم، تُطرح الأسئلة المؤلمة:
أين ذهبت وعود “الحكومة القوية”؟ ولماذا يُترك نهر الرافدين رهينة بيد الجوار، بينما المواطن العراقي يبحث عن قطرة ماء في بلدٍ يُفترض أنه “أرض النهرين”؟
في ظل غياب الرؤية، وفساد إدارة الملف المائي، يبدو أن العراق يسير نحو عطشٍ وطني شامل، يضاف إلى أزماته المتراكمة في الاقتصاد والزراعة والبطالة، لتُغلق تركيا الأنهار، وتغلق الحكومة فمها بالصمت .
![]()
