
بقلم : د. أيهم السامرائي
ليست الأمم من تصنع التاريخ بالشعارات، بل بالإرادة والقوة والقدرة على فرض الوقائع. والتاريخ لا يرحم الضعفاء، ولا ينتظر المترددين، ولا يقيم وزنًا لمن يعيش على أوهام الماضي. واليوم تقف إيران، لأول مرة منذ أربعة عقود، أمام لحظة وجودية قد تحدد مصير نظامها، فيما يقف وكلاؤها في المنطقة على حافة انهيار سياسي وعسكري غير مسبوق. إذا اتخذت الولايات المتحدة قرار المواجهة الشاملة، فلن تكون الضربة القادمة استعراضًا للقوة، ولا رسالةً قابلةً للتأويل، بل ستكون ضربةً تستهدف اقتلاع ما تبقى من البنية العسكرية والاستراتيجية الإيرانية. عندها لن يكون الحديث عن سنوات لإعادة البناء، بل عن عقود طويلة، إن بقي النظام نفسه قادرًا على البقاء أصلًا. ذلك لأن واشنطن، في ظل قيادة الرئيس دونالد ترامب، لا تنظر إلى الملف الإيراني باعتباره نزاعًا إقليميًا محدودًا، بل باعتباره عقدةً تعيق مشروعًا أمريكيًا أكبر لإعادة تشكيل النظام الدولي. فالولايات المتحدة تريد إنهاء الحرب في أوكرانيا بما يرسخ أمن أوروبا، وإعادة ترتيب علاقتها مع روسيا، واحتواء الصعود الصيني الذي بات المنافس الأخطر للهيمنة الاقتصادية الأمريكية.
وفي خضم هذا المشروع، لم يعد في البيت الأبيض متسع لسياسة المفاوضات المفتوحة التي احترفتها طهران طوال عقود. لقد حولت إيران التفاوض إلى وسيلة لاستنزاف الوقت، وإدارة الأزمات لا حلها، وكسب السنوات لا حسم الملفات، حتى أصبح التأجيل عقيدتها السياسية، والمماطلة أداتها الدبلوماسية، والخداع استراتيجيتها التفاوضية. ولم يقتصر هذا النهج على طهران، بل ورثته أذرعها في المنطقة. فالميليشيات التي تربت على التمويل الإيراني اعتادت أن تعيش على الأزمات، وأن تزدهر في الفوضى، وأن تجعل من انهيار الدولة مشروعًا دائمًا لبقائها. لكنها اليوم تواجه واقعًا مختلفًا؛ فالدول الكبرى لا تخوض صراعًا من أجل الانتقام، بل من أجل المصالح، وعندما تقرر حماية مصالحها، فإنها لا تتردد في إزالة كل ما يعترض طريقها. وفي خضم هذا المشروع، لم يعد في البيت الأبيض متسع لسياسة المفاوضات المفتوحة التي أتقنتها طهران على مدى عقود. فقد حوّلت إيران التفاوض إلى وسيلة لكسب الوقت، وإدارة الأزمات بدلًا من حلها، وتأجيل الحسم بدلًا من معالجته. وبات التأجيل جزءًا من نهجها السياسي، والمماطلة أداتها الدبلوماسية، والخداع أحد أبرز أساليبها التفاوضية. ولم يقتصر هذا النهج على إيران وحدها، بل انتقل إلى أذرعها في المنطقة. فالميليشيات المدعومة من طهران اعتادت العيش على الأزمات، والازدهار في ظل الفوضى، وجعلت من إضعاف مؤسسات الدولة مشروعًا دائمًا لضمان بقائها واستمرار نفوذها.
إلا أن المشهد اليوم يبدو مختلفًا، وفق هذا الطرح؛ فالدول الكبرى لا تخوض صراعات بدافع الانتقام، وإنما انطلاقًا من حسابات المصالح. وعندما ترى أن مصالحها الاستراتيجية مهددة، فإنها تتحرك لإزالة ما تعتبره عائقًا أمام تحقيق أهدافها. ومن هذا المنطلق، يرى أصحاب هذا الرأي أن المرحلة الحالية قد تمثل الفصل الأخير من هذا الصراع، وأن الخيارات المطروحة أمام إيران أصبحت أكثر ضيقًا من أي وقت مضى. ويُستشهد في هذا السياق بشعار يُنسب إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مفاده أن أمام إيران “فرصة أخيرة للاستسلام أو مواجهة تدمير كامل”. كما يذهب هذا الطرح إلى أن إدارة ترامب عازمة على إنهاء ما تبقى من نفوذ النظام الإيراني خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة. وبناءً على هذه الرؤية، يُعتقد أن الولايات المتحدة ماضية في تنفيذ مشروعها لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، سواء وافقت إيران وحلفاؤها على ذلك أم رفضوه، انطلاقًا من اعتبار أن المصالح الأمريكية تتطلب هذا المسار، وأن الدول الكبرى، عندما تتخذ قرارًا استراتيجيًا، تمضي في تنفيذه وفقًا لحساباتها، دون أن تعير اهتمامًا كبيرًا للشعارات أو الخطابات التي تراها فاقدة للتأثير.
أما العراق، فإنه يقف اليوم في أخطر منعطف منذ عام 2003. لم تعد أزمته مجرد فساد مستشرٍ، أو محاصصة طائفية، أو سوء إدارة؛ بل أصبحت أزمة سيادة ووجود دولة. لقد تحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وإلى أرض تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين، فيما بقي المشروع الوطني غائبًا أو مغيبًا. والأخطر من ذلك أن دول الجوار لم تعد مستعدة لتحمل نتائج الفوضى العراقية. لقد أوصلت رسائل واضحة بأن أي اعتداء ينطلق من الأراضي العراقية سيقابل برد مباشر، وأن زمن الصبر على الميليشيات العابرة للحدود قد شارف على نهايته. ومعنى ذلك أن أي مغامرة جديدة لن يدفع ثمنها قادة الفصائل، بل سيدفعها العراق كله. إن من يظن أن هذه العاصفة يمكن أن تتوقف عند اسم هذا المرجع أو ذاك، أو عند هذا الزعيم أو ذاك، أو عند هذا الفصيل أو ذاك، لم يدرك بعد طبيعة التحولات الكبرى في السياسة الدولية. فالدول العظمى لا تعيد رسم الخرائط بإذن أحد، ولا توقف مشاريعها احترامًا لشعارات الآخرين، بل تمضي حتى تبلغ أهدافها كاملة.
ومن هنا، فإن العراق يحتاج اليوم إلى مشروع وطني حقيقي، لا إلى تسويات مؤقتة، ولا إلى تدوير للأزمات. وإذا انعقد مؤتمر وطني جامع، يضم الدولة والقوى الوطنية المدنية، ويؤسس لدولة المواطنة، وسيادة القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، واقتصاد السوق، والعدالة بين المواطنين، فسيكون ذلك بداية الطريق نحو عراق جديد؛ عراق لا تحكمه الطائفة، ولا تصادره الميليشيا، ولا يرتهنه الخارج، بل يكون فيه الدين لله، والوطن للجميع، والسيادة للدولة، والعدالة أساس الحكم، والكفاءة معيار القيادة، والانتماء للعراق فوق كل انتماء.
د.أيهم السامرائي
المجلس الوطني العراقي للتغير/ الحراك العراقي
![]()
