الناصرية – في كارثة بيئية غير مسبوقة منذ قرابة قرن، تعرّضت سدة البدعة، إحدى أبرز المناطق المائية في قضاء الشطرة بمحافظة ذي قار، إلى الجفاف التام، في مشهدٍ يلخص سنوات من الفساد والإهمال الحكومي وسوء إدارة ملف المياه.
وأكد ناشطون ومختصون في الشأن البيئي أن ما حدث في سدة البدعة هو نتيجة طبيعية لتقاعس السلطات عن مواجهة شح المياه المتفاقم، وتجاهلها المستمر للتحذيرات السابقة. وقال أحد الناشطين المحليين :
“كنا نحذّر منذ سنوات من انهيار نظام التغذية المائية في الأهوار ونهر البدعة، لكن لا آذان تسمع، ولا مسؤولين يبالون.”
وأوضحوا أن الإطلاقات المائية التي كانت تصل إلى السدة سابقًا من سدة الكوت كانت تبلغ 95 مترًا مكعبًا بالثانية، لكنها تراجعت إلى 50 مترًا مكعبًا فقط، بعد تشغيل مشروع ماء البصرة، ما تسبب بانهيار منظومة تغذية مياه الشرب والري، وضرب الأهوار في مقتل.
فساد الإهمال واستجابة خجولة
في محاولة لتدارك الكارثة، أعلن قائممقام قضاء الشطرة، حيدر غالب، أن مناسيب المياه بدأت بالارتفاع تدريجيًا. لكنه أضاف أن الجهات المختصة اضطرت إلى رفع التجاوزات وإغلاق الجداول الفرعية لإيصال المياه إلى السدة، ما يسلط الضوء على غياب إدارة وقائية فعالة كانت كفيلة بمنع وقوع الكارثة من الأساس.
ضغوط سياسية على أنقاض بيئية
من جانبه، كشف عضو مجلس محافظة ذي قار، أحمد الخفاجي، أنه قدم مقترحًا رسميًا يقضي بإبعاد الشركات التركية عن المشاريع الاستثمارية في المحافظة، كوسيلة للضغط على أنقرة لزيادة الإطلاقات المائية نحو العراق. ودعا الخفاجي الحكومة المركزية إلى تبني مواقف أكثر حزمًا، قائلًا:
“العراق يدفع ثمن صمته، والسكوت عن التجاوزات التركية والإيرانية على مياهنا يجب أن يتوقف.”
أين الحكومة؟
جفاف سدة البدعة لا يُعدّ حدثًا عرضيًا، بل ناقوس خطر جديد يكشف غياب رؤية وطنية لإدارة موارد العراق المائية، وسط تزايد الاتهامات بأن صمت الحكومة وسوء إدارتها وتراخيها تجاه التجاوزات الإقليمية، خاصة من تركيا، يساهم في انهيار بيئي ومائي يهدد حياة ملايين العراقيين.
وفي بلد تُهدر فيه الثروات، وتُدار الأزمات بالمسكنات، يبقى المواطن هو الضحية الدائمة لتقاعس الدولة وتخبط قراراتها… فهل تتحرك الحكومة لإنقاذ ما تبقى؟ أم أن الجفاف القادم سيكون في ضميرها أيضًا؟
![]()
