بغداد – في مشهد يعكس مع بدء فترة الصمت الانتخابي في العراق، تتحوّل الشوارع إلى مشهد من الفوضى المعلنة، حيث تتسابق عربات “الستوتات” لاقتلاع صور المرشحين ولوحات الدعاية الانتخابية، في وقت تلوذ فيه السلطات بالصمت والتجاهل وكأن الأمر لا يعنيها.
في كركوك، يوقف محمد الحسيني عربته الصغيرة وسط الطريق وهو يبتسم قائلاً: “أنتظر لحظة إعلان الصمت الانتخابي حتى أبدأ بالعمل… أعرف أماكن كل لوحة، وسأخرج قبل الفجر لأحصل على الجيد منها”.
ما يقوله الحسيني يلخص واقعاً غريباً: سباق محموم على “غنائم” الانتخابات، حيث تتحول الدعاية التي أنفقت عليها الأحزاب الملايين إلى خردة تباع في الأسواق الشعبية.
“نبيع الإطارات الحديدية والنايلون المقوّى بأسعار تفوق أجورنا اليومية”، يقول أحد العاملين، مضيفاً: “حتى صور المرشحين تُستغل كأغطية من المطر أو لتصليح الأسقف”.
سوق سوداء تحت رعاية العجز الحكومي
في أسواق كركوك وديالى، تنتعش تجارة خفية لما يسمى بـ”غنائم الانتخابات”.
يقول أحد أصحاب محال الخردة: “الستوتات تأتي محملة بلوحات المرشحين. نشتريها بالوزن ولا نهتم بالصور ولا بالأسماء. هناك شبكة من السماسرة الصغار تدير العملية كلها”.
مشهد يتكرر كل دورة انتخابية، دون رقابة حقيقية من البلديات أو المفوضية، وكأن المال العام والدعاية السياسية مجرد مواد قابلة لإعادة البيع.
فوضى تبررها البلديات.. والقانون غائب
مصدر في بلدية كركوك يعترف لوكالة شفق نيوز بأنهم “يتجاهلون الظاهرة لتجنّب الاحتكاك مع الناس”، مضيفاً: “منعهم يحتاج شرطة، وهم بالمئات”.
تصريح يكشف أن البلديات بين مطرقة الفوضى وسندان اللامبالاة الحكومية، فيما تبقى القوانين حبيسة الورق.
حتى المفوضية العليا للانتخابات، التي يفترض بها حماية النظام الانتخابي، تكتفي بـ”التنبيهات”، بينما “الستوتات” تسبق فرق الإزالة الرسمية وتستحوذ على المشهد في وضح النهار.
ملايين تُهدر… وصور تتهاوى
الأحزاب التي تنفق الملايين على صور ووعود لا تصمد سوى أسابيع، تختفي بعد الصمت الانتخابي دون أن تحاسب نفسها على الهدر المالي والعبث بالمشهد العام.
يقول أحد المواطنين من كركوك: “قبل الانتخابات يصرفون الملايين، وبعدها يتركون الجدران مشوهة والمسامير في الشوارع، ولا أحد يُسأل”.
الباحثون: الفوضى انعكاس لفساد أوسع
يؤكد الباحث الاجتماعي أكرم الجاف أن الظاهرة “نتاج طبيعي لغياب التنظيم والرقابة”، مضيفاً أن “الفوضى الانتخابية تحولت إلى سوق عشوائية تعيش عليها فئات فقيرة، بينما السلطات تكتفي بالمشاهدة”. وبينما يُفترض أن يكون الصمت الانتخابي مناسبة لاحترام القانون، يتحول في العراق إلى إعلان ضمني لانتهاء موسم السياسة وبداية موسم الفوضى والرزق غير المشروع.
![]()
