بغداد – في مشهد انتخابي يعكس حجم الانهيار السياسي والتشريعي في العراق، أعلنت مفوضية الانتخابات أن أكثر من 7900 مرشح يتنافسون على 329 مقعداً نيابياً، في واحدة من أكثر الدورات الانتخابية ازدحاماً وعبثية في تاريخ البلاد، وسط غياب تام للبرامج الانتخابية وضعف التنسيق والتشريع، مما وصفه مراقبون بـ”الفوضى المنظمة”.
ورغم هذا الزخم العددي “غير المسبوق عالمياً”، بحسب محللين، فإن أغلب المرشحين يفتقرون إلى أدنى مستويات الجاهزية الفكرية أو الخطط الواقعية، ما يعكس عجز الدولة عن فرض معايير واضحة للترشح أو ضبط الإنفاق الانتخابي، حيث تُقدّر الأموال المصروفة على هذه الانتخابات بنحو تريليوني دينار عراقي، وسط صمت حكومي بشأن مصادر التمويل وآليات المراقبة.
تخبط إداري وتشريعي
السبب الرئيسي لهذه الفوضى، بحسب عضو الفريق الإعلامي لمفوضية الانتخابات، حسن هادي زاير، يعود إلى نظام التمثيل النسبي وطريقة “سانت ليغو”، والتي دفعت الأحزاب لتسجيل قوائم مزدوجة من المرشحين لتكثيف الحضور، ما أدى إلى تضخيم العدد دون مراعاة للجودة أو الأهلية.
وتبرز المفارقة الأشد في محافظة بغداد، حيث يتنافس أكثر من 6 آلاف مرشح على 65 مقعداً فقط، ما يدل على حالة من الانفجار العددي المفتعل من قبل الكتل السياسية، التي تسعى – وفق محللين – إلى جمع أصوات متفرقة ليحصدها في النهاية زعماء الكتل، مستفيدين من تشتيت الأصوات وضبابية القوانين.
لا قانون للأحزاب ولا محاسبة
ويجمع المراقبون على أن غياب قانون واضح ينظم عمل الأحزاب ويحدد مصادر تمويلها، هو أحد أبرز أسباب هذا الانفلات الانتخابي، حيث تستغل بعض الأطراف المال السياسي للاستحواذ على المناصب، في ظل صمت حكومي مثير للريبة.
المحلل السياسي عبد الله الكناني يؤكد أن “الزحام الانتخابي ما هو إلا انعكاس لهيمنة المال السياسي، في وقتٍ تستمر فيه الحكومة والبرلمان في تعطيل إقرار قانون الأحزاب”، مضيفاً أن “الأجواء الحالية أكثر سوداوية من الدورات السابقة، خاصة مع مقاطعة تيارات رئيسية مثل التيار الصدري، ما يضع شرعية الانتخابات المقبلة على المحك”.
برلمان معطّل ونواب غائبون
في مشهد يكشف فشل المنظومة التشريعية برمتها، أشار الباحث السياسي علي الناصر إلى أن البرلمان الحالي انتهى وهو يعاني من شغور في الرئاسة، مع ترحيل أكثر من 150 قانوناً إلى الدورة المقبلة، فضلاً عن تغيب نواب عن الجلسات مع استمرارهم في تقاضي الرواتب والامتيازات.
الناصر شدد على أن “النتيجة الطبيعية لهذا الفشل هي عزوف شعبي متزايد عن الانتخابات، وتراجع في نسب التصويت، ما يجعل من الانتخابات شكلاً فارغاً بلا مضمون تمثيلي حقيقي، ويكرّس استحواذ الزعامات التقليدية على السلطة”.
أرقام بلا جدوى
حتى الأرقام التي تروج لها الكتل لا تعني بالضرورة قوة سياسية فعلية، ففي حين أعلنت بعض التحالفات الدفع بـ470 مرشحاً في عدة محافظات، وأخرى بـ350، يؤكد المختصون أن ذلك لا يغير من واقع انعدام البرنامج وافتقاد الرؤية، بل يعمق الأزمة التمثيلية والانفصال التام بين الطبقة السياسية والشعب.
أين الدولة؟
منذ عام 2003، شهد العراق تغييرات متكررة على قانون الانتخابات، من الدائرة الواحدة إلى الدوائر المتعددة، ومن القوائم المغلقة إلى المفتوحة، دون أي استقرار تشريعي حقيقي، ما يعكس فشل الحكومات المتعاقبة في بناء نظام سياسي عادل وشفاف.
الانتخابات المقبلة، المقررة في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، لا تبدو مبشّرة بالتغيير، بل تؤكد استمرار الدوامة السياسية نفسها، حيث تغيب الرؤى وتحضر المصالح، وسط غياب تام لأي دور رقابي فاعل من الحكومة أو البرلمان أو حتى القضاء.
ما يجري اليوم ليس سوى دليل إضافي على فشل السلطات العراقية في إدارة العملية الانتخابية وضمان حد أدنى من الشفافية والتمثيل. فوضى المرشحين، وغياب البرامج، وهيمنة المال، وتغييب القوانين، كلها تؤكد أن الانتخابات تحوّلت من أداة ديمقراطية إلى وسيلة لإعادة إنتاج نفس الطبقة الفاشلة .
![]()
